تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَإِلَى مَنْعِ الذَّرِيعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ عُلِمَ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (1).

وَإِذَا اسْتَقَامَ هَذَا الْأَصْلُ فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا، إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ الْأَمْرِ بِكَتْبِ الْعِلْمِ (2).

الْمِثَالُ الثَّانِي: تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ:

إِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَضَوْا بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ (3)، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى الصُّنَّاعِ، وَهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْأَمْتِعَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَغْلَبُ عَلَيْهِمُ التَّفْرِيطُ وَتَرْكُ الْحِفْظَ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَضْمِينُهُمْ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمْ لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

- إِمَّا تَرْكُ الِاسْتِصْنَاعِ (4) بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى الْخَلْقِ.

- وَإِمَّا أَنْ يَعْمَلُوا وَلَا يُضَمَّنُوا ذَلِكَ بِدَعْوَاهُمُ الْهَلَاكَ وَالضَّيَاعَ، فَتَضِيعُ الْأَمْوَالُ، وَيَقِلُّ الِاحْتِرَازُ، وَتَتَطَرَّقُ الْخِيَانَةُ.

(1) () سَمّى الله - عز وجل - القرآنَ كتابًا، قال تعالى: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ

(2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} (آل عمران: 1 – 3). فأفاد ذلك وجوب كتابته كله، ولذلك اتخذ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كُتّابًا للوحْي، وتفريق الصحف المكتوبة لا يُعْقَلُ أن يكون مطلوبًا للشارع حتى يحتاج جَمْعُها إلى دليلٍ خاص، ولم يُؤْمَر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بجَمْعِها في حياته لاحتمال المزيد في كل سورة ما دام حيًّا كما قال العلماءُ.

(2) () فقد جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأَمْرُ بِكتابة الْعِلْمِ، مثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «قَيِّدُوا العِلْمَ بالكِتَابْ» (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني). (بالكِتَابْ: أي بالكِتَابْة).

(3) () التضمين من الضمان؛ وهو: التزام بتعويض عن ضرر للغير، والصُّنَّاع: الأُجَراء، كالخياط يُعْطَى القماش ليصنعه ثوبًا.

(4) () الاِسْتِصْنَاعُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ اسْتَصْنَعَ الشَّيْءَ: أَيْ دَعَا إِلَى صُنْعِهِ، وَيُقَال: اصْطَنَعَ فُلاَنٌ بَابًا: إِذَا سَأَل رَجُلًا أَنْ يَصْنَعَ لَهُ بَابًا، كَمَا يُقَال: اكْتَتَبَ أَيْ أَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَقْدٌ عَلَى مَبِيعٍ فِي الذِّمَّةِ شُرِطَ فِيهِ الْعَمَل. فَإِذَا قَال شَخْصٌ لآِخَرَ مِنْ أَهْل الصَّنَائِعِ: «اصْنَعْ لِي الشَّيْءَ الْفُلاَنِيَّ بِكَذَا دِرْهَمًا»، وَقَبِل الصَّانِعُ ذَلِكَ، انْعَقَدَ اسْتِصْنَاعًا. [انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (3/ 325)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٠٩