الثامن الباب
الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ
والْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ (1)
(1) () المصالح مِنها ما شَهِد الشارع له بالاعتبار، ومنها ما شهد له بالإلغاء، ومنها ما سكت عنه، فالأولى هي المصالح المعتبرة، والثانية هي المصالح الملغاة، والثالثة هي المصالح المرسلة:
1 - المصالح المعتبرة: وهي ما اعتبرها الشارع بأنْ شَرَعَ لها الأحكام الموصلة إليها: كحفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فقد شرع الشارع الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحدّ الشرب لحفظ العقل، وحدّ الزنى والقذف لحفظ العرض، وحدّ السرقة لحفظ المال.
وعلى أساس هذه المصالح المعتبرة وربطها بعللها وجودًا وعدمًا جاء دليل القياس، فكل واقعة لم ينص على حكمها، وهي تساوي واقعة أخرى نص الشارع على حكمها في علة الحكم، فإنها تأخذ نفس الحكم المنصوص عليه.
2 - المصالح الملغاة: مصالح متوهمة غير حقيقية أو مرجوحة أهدرها الشارع ولم يعتد بها بما شرعه من أحكام تدل على عدم اعتبارها. ومن أمثلة هذا النوع مصلحة الأنثى في مساواتها لأخيها في الميراث فقد ألغاها الشارع بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11)، ومثل مصلحة الجبناء القاعدين عن الجهاد في حفظ نفوسهم من الهلاك، فقد ألغى الشارع هذه المصلحة المرجوحة بما شرعه من أحكام الجهاد، وهكذا، ولا خلاف بين العلماء في أن المصالح الملغاة لا يصح بناء الأحكام عليها.
3 - المصالح المرسلة: مصالح لم ينص الشارع على إلغائها ولا على اعتبارها، فهي مصلحة، لأنها تجلب نفعًا وتدفع ضررًا، وهي مرسلة؛ لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فهي إذن تكون في الوقائع المسكوت عنها وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى نقيسها عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن وتدوين الدواوين وتضمين الصُنَّاع وقتل الجماعة بالواحد.
ومن أوضح الأمثلة عليها في الوقت الحاضر: توثيق عقود الزواج والطلاق حفظًا للنسب.
[انظر: الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص 236، 237)].
* هل يُعمَل بالمصالح المرسلة في العبادات؟
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: «لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم، فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أما في المعاملات فقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام، والقول الراجح هو القول بحجية المصالح المرسلة».
[انظر: الوجيز في أصول الفقه (ص 238 - 242)].
وقال الدكتور محمد بن حسين الجيزاني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية: «إن الاستصلاح أو المصلحة المرسلة نوع دقيق من أنواع الاجتهاد، وباب واسع من أبواب الرأي، وهذا الرأي ليس رأيًا مجردًا عن الدليل، بل هو مقيد بضوابط، وذلك أن المصلحة المرسلة لا تعتبر حجة إلا إذا كانت مندرجة تحت مقاصد الشريعة، محققة لها.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن المصلحة المرسلة لا مدخل لها في التعبدات المحضة، كأفعال الصلاة وأفعال الحج وأنصبة المواريث ومقادير الكفارات والعِدَد والحدود.
فجميع هذه المسائل تعبدية توقيفية، لا مجال فيها للرأي، ولا مدخل فيها للاجتهاد، إلا أن الاستصلاح ربما يقع في بعض العبادات، لكنه إنما يقع في وسائلها المطلقة لا في ذات العبادة وأصلها، ولا يقع أيضًا في وسائلها التوقيفية التي ورد بها الشارع.
ومن الأمثلة على ذلك أن استقبال القبلة ودخول الوقت أمور تعبدية لابد من تحقيقها بالنسبة إلى الصلاة، وقد يستعان في معرفة القبلة بالبوصلة أو غيرها، وبالساعة في معرفة وقت الصلاة، فكل هذا من قبيل الوسائل التي أطلقها الشارع، وتندرج تحت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به».
ومن ذلك أيضًا: إنشاء طابق ثانٍ للطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام، ومثل إنشاء جسر متعدد الأدوار للجمرات.
وإذا تأملنا ما ورد عن الصحابة - رضي الله عنهم - في المصلحة المرسلة وجدناه في أحد بابين:
إما في أمور ليست من قبيل العبادات، وإنما هي مصالح عامة وأمور عادية، مثل تدوين الدواوين وتضمين الصناع، وإما في أمور تتعلق بالعبادة لكنها من قبيل الوسائل التي لا يتحقق مقصود الشارع إلا بها، كجمع القرآن وكتابة السنة المطهرة.
وبهذا يظهر الفرق جليًا بين الاستصلاح والابتداع، حيث إن الابتداع إنما يكون في الأمور التعبدية».
(انظر: موقع الإسلام اليوم 27/ 2/1427 هـ).
* شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
1 - أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشرع فلا تخالف أصلًا من أصوله، ولا تنافي دليلًا من أدلة أحكامه، بل تكون من جنس المصالح التي قصد الشارع تحصيلها , أو قريبة منها ليست غريبة عنها.
2 - أن تكون معقولة بذاتها، بحيث لو عُرِضَتْ على العقول السليمة لَتَلَقَّتْها بالقبول.
3 - أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري أو لدفع حرج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).
4 - أن تكون المصلحة التي تترتب على تشريع الحكم مصلحة حقيقية لا وهمية.
5 - أن تكون المصلحة عامة لا خاصة، أي أن يوضع الحكم لمصلحة عموم الناس لا لمصلحة فرد معين أو فئة معينة. (انظر: الوجيز في أصول الفقه، ص 242).
* والضابط الذي تتميز به المصلحة المرسلة عن البدع المحدثة هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: «والضابط في هذا ـ والله أعلم ـ أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحةً، إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يُحْدِثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين، فما رآه الناس مصلحةً؛ نُظِرَ في السبب المُحْوِج إليه:
فإن كان السبب المُحْوِج إليه أمرًا حدث بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه.
وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، لكن تركه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعارضٍ زال بموته.
وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث.
فكل أمرٍ يكون المقتضي لفِعْله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - موجودًا، لو كان مصلحةٍ ولم يُفْعَل: يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً».
[انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 594)].
وخلاصةُ القول: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروري، أو رفع حرجٍ لازم في الدين، وليست البدع ـ عند من يَدَّعيها ـ هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرب إلى الله - عز وجل - وإن لم تكن هناك حاجة لإحداث ذلك الفعل.