تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَمِثْلُهُ إِيقَادُ الشَّمْعِ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ الثَّامِنِ، ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا مِنَ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ، وَأَنَّهَا ضَلَالَةٌ فَاحِشَةٌ جُمِعَ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْقَبَائِحِ. مِنْهَا إِضَاعَةُ الْمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، وَمِنْهَا إِظْهَارُ شَعَائِرِ الْمَجُوسِ، وَمِنْهَا اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشَّمْعُ بَيْنَهُمْ وَوُجُوهُهُمْ بَارِزَةٌ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ دُخُولِ عَرَفَةَ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمَشْرُوعِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي إِيقَادِ الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَذَكَرَ أَيْضًا قَبَائِحَ سِوَاهَا. فَأَيْنَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ إِنْكَارِ مَالِكٍ لِتَنَحْنُحِ الْمُؤَذِّنِ أَوْ ضَرْبِهِ الْبَابَ لِيُعْلِمَ بِالْفَجْرِ؟ وَهُوَ أَقْرَبُ مَرَامًا وَأَيْسَرُ خَطْبًا مِنْ أَنْ تُنْشَأَ بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ، يَعْتَقِدُهَا الْعَوَامُّ سُنَنًا بِسَبَبِ سُكُوتِ الْعُلَمَاءِ وَالْخَوَاصِّ عَنِ الْإِنْكَارِ وَسَبَبِ عَمَلِهِمْ بِهَا؟!

وَأَمَّا الْمَفْسَدَةُ الْمَآلِيَّةُ (1) فَهِيَ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عَامِلِينَ بِحُكْمِ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهَا قَدْ يَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلَى رُؤْيَتِهَا وَظُهُورِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرَاهَا شَائِعَةً ذَائِعَةً فَيَعْتَقِدُونَهَا جَائِزَةً أَوْ مَشْرُوعَةً. لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ إِذَا فَشَا فِي النَّاسِ فِعْلُهَا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَاهِلِ بِهَا فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ أَوِ الطَّاعَاتِ.

وَلَا مَعْنَى لِلْبِدْعَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي اعْتِقَادِ الْمُبْتَدِعِ مَشْرُوعًا وَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ. وَهَذَا مَنُوطٌ إِثْمُهُ بِمَنْ يَتْرُكُ الْإِنْكَارَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ بِبَعْضِهَا بِمَرْأَى مِنَ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاقِعِهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْأَصْلُ فِي انْتِشَارِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فِي الْمَعَاصِي أَوْ غَيْرِهَا.

أسْبَابُ نُشُوءِ الْبِدَعِ:

وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْبِدْعَةُ تَنْشَأُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْسَامِ ـ أَنْ يَخْتَرِعَهَا الْمُبْتَدِعُ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْعَالِمُ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ، فَيَفْهَمَهَا الْجَاهِلُ مَشْرُوعَةً.

(1) () أي التي تحدث في المستقبل.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٠٠