أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ هَلْ يَدْخُلُ فِيهَا الْبِدَعُ:
أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ ـ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا ـ عَلَى ضَرْبَيْنِ (1):
- أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَبُّدَاتِ.
- وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ.
وَثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَادِيٍّ مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعَبُّدِيِّ، وَمَا عُقِلَ مَعْنَاهُ وَعُرِفَتْ مَصْلَحَتُهُ أَوْ مَفْسَدَتُهُ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعَادِيِّ.
فَالطَّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ كُلُّهَا تَعَبُّدِيٌّ.
وَالْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَالشِّرَاءُ وَالطَّلَاقُ وَالْإِجَارَاتُ وَالْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَادِيٌّ، لِأَنَّ أَحْكَامَهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّعَبُّدِ، إِذْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِأُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ لَا خِيرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهَا؛ كَانَتِ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا (2).
(1) () ضَرْبٌ: نوعٌ وصِنفٌ.
(2) () الحكم فِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ: مُقْتَضى خطاب الشَّرْع الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين اقْتِضَاءً أَو تخييرًا، ثمَّ إِن ذَلِك الْخطاب:
* إِمَّا أَن يَرِدَ باقتضاء الْفِعْل مَعَ الْجَزْم، وَهُوَ الْوُجُوب.
* أَو يَرِد باقتضاء الْفِعْل لَكِن لَيْسَ مَعَ الْجَزْم، وَهُوَ النّدب.
* أَو باقتضاء التّرْك مَعَ الْجَزْم، وَهُوَ التَّحْرِيم.
* أَو باقتضاء التّرْك لَكِن لَيْسَ مَعَ الْجَزْم وَهُوَ الْكَرَاهَة.
* أَو التَّخْيِير وَهُوَ الْإِبَاحَة. فالْإِبَاحَة من خطاب الشَّرْع فَهِيَ حكم شَرْعِي.
فالحكم التكليفي خمسة أقسام هي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة. ووجه الحصر في هذه الأقسام الخمسة: أن الخطاب الشرعي إما أن يكون طلبًا أو تخييرًا. فإن كان طلبًا فهذا يشمل طلب الفعل وطلب الترك، والطلب قد يكون جازمًا وغير جازم.
فطلب الفعل يشمل الواجب والمندوب:
فالواجب: ما كان طلب الفعل فيه على سبيل الجزم بحيث يتعلق الذم بتاركه.
والمندوب: ما كان طلب فعله بدون جزم بحيث لا يتعلق بتاركه ذم.
وطلب الترك يشمل المحرم والمكروه:
فالمحرم: ما كان طلب تركه على سبيل الجزم بحيث يتعلق بفاعله الذم.
والمكروه: ما كان طلب الترك فيه بدون جزم بحيث لا يتعلق الذم بفاعله.
أما إن كان الخطاب الشرعي تخييرًا لا طلب فيه، فهذا هو المباح، فصارت بذلك الأقسام خمسة.
[انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، لابن بدران (ص 146)، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، للدكتور محمَّد بنْ حسَيْن الجيزاني (ص: 290)].