وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ الْمُقْتَدَى بِهِ يَعْمَلُ بِهَذَا الْعَمَلِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، كَاتِّخَاذِ الْغِنَاءِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شُيُوخَ التَّصَوُّفِ قَدْ سَمِعُوهُ وَتَوَاجَدُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِهِ، وَكَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ التَّوَاجُدِ بِالرَّقْصِ وَسِوَاهُ لِأَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ مِثْلَ هَذَا فِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى التَّصَوُّفِ.
وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى بِدَعِهِمْ بِالْجُنَيْدِ وَالْبَسْطَامِيِّ وَالشِّبْلِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ أَوْ لَمْ يَصِحَّ، وَيَتْرُكُونَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِسُنَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَهِيَ الَّتِي لَا شَائِبَةَ فِي هُدَاهَا إِذَا نَقَلَهَا الْعُدُولُ وَفَسَّرَهَا أَهْلُهَا الْمُكِبُّونَ عَلَى فَهْمِهَا وَتَعَلُّمِهَا. وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقِرُّونَ بِالْخِلَافِ لِلسَّنَةِ بَحْثًا، بَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ أَذْيَالِ التَّأْوِيلِ، إِذْ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إِلَى الْإِسْلَامِ بِإِبْدَاءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ أَصْلًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - خَانَ الرِّسَالَةَ». وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟» إِنَّهَا إِلْزَامٌ لِلْخَصْمِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ النَّظَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: «يَلْزَمُكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ كَذَا». لَا أَنَّهُ يَقُولُ: «قَصَدْتَ إِلَيْهِ قَصْدًا»، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ.
وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ هِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ (1)، وَالَّذِي كَانَ يَقُولُ بِهِ شُيُوخُنَا وَيَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ أَيْضًا: أَنَّ لَازِمَ
(1) () سُئِلَ ابْنُ حجر الهيتَمي: «لَوْ نَسَبَ شَخْصٌ نَفَسَهُ إلَى مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُبْتَدِعَةِ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ مَا يَقْتَضِيهُ الْمَذْهَبُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ؟». فأجاب: «مَنْ اعْتَقَدَ مَذْهَبًا مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ كُفْرًا صَرِيحًا كَالْقَوْلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِإِنْكَارِ الْحَشْرِ كَانَ اعْتِقَادُهُ بِمُجَرَّدِهِ كُفْرًا إجْمَاعًا، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ الْخِلَافُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ مُكَفِّرٌ أَوْ مُكَفِّرَاتٌ فَمُجَرَّدُ اعْتِقَادِ الْمَذْهَب لَا يَكُونُ كُفْرًا عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ إنْ صَرَّحَ بِاعْتِقَادٍ لَازِمٍ مِنْ تِلْكَ اللَّوَازِمِ الْمُكَفِّرَةِ».
[انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/ 100)].
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَة - رحمه الله -: «الصَّوَابُ: أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ لَهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ أَنْكَرَهُ وَنَفَاهُ كَانَتْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَذِبًا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبًا لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كُلِّ مَنْ قَالَ عَنْ الِاسْتِوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ أَنَّهُ مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّ لَازِمَ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ - سبحانه وتعالى - أَوْ صِفَاتِهِ حَقِيقَةً. [انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (20/ 217)].
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -: «والتحقيق الذي يدل عليه الدليل أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه ولم يُشِرْ إليه، ولم يلتَزِمْه ليس مذهبًا، لأن القائل غير معصوم، وعِلْمُ المخلوق مهما بلغ فإنه قاصرٌ، فبأي برهان نُلْزِم القائل بما لم يلتَزِمْه، ونُقَوِّلُه ما لم يَقُلْه، ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم، فإن لوازم الأقوال من جملة الأدلة على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل يكون له لوازم تناسبه» (توضيح الكافية الشافية: 113).