وَحَاصِلُ الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يُعْتَقَدُ صِحَّتَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَالْبِدْعَةُ حَاصِلُهَا مُخَالَفَةٌ فِي اعْتِقَادِ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رحمه الله -: «مِنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا؛ فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا».
وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! مِنْ أَيْنَ أحْرِمُ؟»، قَالَ: «مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -»، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ». فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ»، قَالَ: «فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ» (1).
قَالَ: «لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ»، فَقَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟! إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا»، قَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟!، إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).
فَإِذَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِدَعِ مَا هُوَ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ بِطَرِيقَةٍ يَظْهِرُ إِنْ شَاءَ اللهُ أَنَّهَا تَحْقِيقٌ فِي تَشْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ:
- عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً
- وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ.
(1) () أي من عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.