تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَضَعُوهَا عَلَى مَقَاصِدَ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ؛ كَأَهْلِ التَّصْرِيفِ بِالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ؛ لِيَسْتَجْلِبُوا بِهَا الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْحَظْوَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ، بَلْ لِيَقْتُلُوا بِهَا إِنْ شَاؤُوا أَوْ يُمْرِضُوا أَوْ يَتَصَرَّفُوا وَفْقَ أَغْرَاضِهِمْ.

فَهَذِهِ كُلُّهَا بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ، بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ؛ لِبُعْدِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ مُبَرَّأَةً عَنْ مَقَاصِدِ الْمُتَخَرِّصِينَ (1)، مُطَهَّرَةً لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا عَنْ أَوَضَارِ (2) اتِّبَاعِ الْهَوَى، إِذْ كُلُّ مُتَدَيِّنٍ بِهَا عَارِفٌ بِمَقَاصِدِهَا يُنَزِّهُهَا عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْوَاهِيَةِ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بُطْلَانِ دَعَاوِيهِمْ فِيهَا مِنْ بَابِ شُغْلِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَا هُوَ أَوْلَى.

وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ فَرَضْنَا أَصْلَ الْعِبَادَةِ مَشْرُوعًا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ فَهِيَ بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ؛ كَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ الَّتِي يَزْعُمُ أَهْلُهَا أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلْمِ الْحُرُوفِ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ فَلْسَفَةٌ أَلْطَفُ مِنْ فَلْسَفَةِ مُعَلِّمِهِمُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَرِسْطَا طَالِيسَ، فَرَدُّوهَا إِلَى أَوْضَاعِ الْحُرُوفَ، وَجَعَلُوهَا هِيَ الْحَاكِمَةَ فِي الْعَالَمِ، وَرُبَّمَا أَشَارُوا عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَذْكَارِ وَمَا قُصِدَ بِهَا إِلَى تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْمُلَائِمَةِ لِطَبَائِعِ الْكَوَاكِبِ؛ لِيَحْصُلَ التَّأْثِيرُ عِنْدَهُمْ وَحْيًا.

فَحَكَّمُوا الْعُقُولَ وَالطَّبَائِعَ، وَتَوَجَّهُوا شَطْرَهَا، وَأَعْرَضُوا عَنْ رَبِّ الْعَقْلِ وَالطَّبَائِعِ، وَإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَهُ اعْتِقَادًا فِي اسْتِدْلَالِهِمْ لِصِحَّةِ مَا انْتَحَلُوا عَلَى وُقُوعِ الْأَمْرِ وَفْقَ مَا يَقْصِدُونَ، فَإِذَا تَوَجَّهُوا بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَفْرُوضِ عَلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ حَصَلَ، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنَفْعًا كَانَ أَوْ ضُرًّا، وَخَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا، وَيَبْنُونَ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ بُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، أَوْ حَصَلَ نَوْعٌ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.

(1) () تخرَّص عليه: كذب وافترى.

(2) () أوضار: أوساخ.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٥٢