وَمِنْ ذَلِكَ نَقْلُ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ مِنَ الْمَنَارِ وَجَعْلُهُ قُدَّامَ (1) الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ. فَنَقْلُ الْأَذَانَ الْمَشْرُوعَ فِي الْمَنَارِ (2) إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ بِدْعَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَشْرُوعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَنْ أَصْلِهِ مِنَ الْإِعْلَامِ، إِذْ لَمْ يُشْرَعْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ إِعْلَامٌ بِالصَّلَاةِ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ (3). ثُمَّ أَذَانُهُمْ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ زِيَادَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي الْعِيدَيْنِ؛ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنْ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ فِيهِمَا، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَاتِ وَالنَّوَافِلِ، وَإِنَّمَا الْأَذَانُ لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ الْخُلَفَاءِ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم -، وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: «مِنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا؛ فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا».
وَمِنْ نَوَادِرِهَا الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ تُغْفَلَ مَا جَرَى بِهِ عَمَلُ جُمْلَةٍ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى طَرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ تَرَبُّصِهِمْ بِبَعْضِ الْعِبَادَاتِ أَوْقَاتًا مَخْصُوصَةً غَيْرَ مَا وَقَّتَهُ الشَّرْعُ فِيهَا، فَيَضَعُونَ نَوْعًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ الْخَرِيفِ، وَنَوْعًا آخَرَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ ... وَرُبَّمَا وَضَعُوا لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ لِبَاسًا مَخْصُوصًا وَطِيبًا مَخْصُوصًا ... وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْضَاعِ الْفَلْسَفِيَّةِ يَضَعُونَهَا عَلَى مَقَاصِدَ شَرْعِيَّةٍ؛ أَيْ: مُتَقَرَّبًا بِهَا إِلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ، وَرُبَّمَا
(1) () قُدَّامَ: أمام.
(2) () مَنارة: مِئذَنة.
(3) () أي أن الغرض من الأذان تبليغ الناس الذين خارج المسجد بوقت الصلاة ليحضروا إلى المسجد، أما أَهْل الْمَسْجِدِ فقد حضروا إلى المسجد، فليست هناك فائدة من الأذان أمام الحاضرين في المسجد، وهؤلاء يكون تبليغهم بِالْإِقَامَةِ لينهضوا لأداء الصلاة لا ليحضروا إلى المسجد؛ فهم أصلًا موجودون فيه.