ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ ـ، فَخَافَ عُمَرُ - رضي الله عنه - أَنْ يَتَمَادَى الْحَالُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَتَّى تُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَكَذَلِكَ يَتَّفِقُ عِنْدَ التَّوَغُّلِ فِي التَّعْظِيمِ.
وَلَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَلَّاجِ: أَنَّ أَصْحَابَهُ بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ، حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ، وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذْرَتِهِ، حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ؛ وَإِنْ ظَهَرَ لَهَا فِي الظَّاهِرِ آثَارٌ؛ فَقَدْ يَخْفَى أَمْرُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ بَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَرُبَّمَا ادُّعِيَتِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ، أَوِ ادَّعَاهَا هُوَ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَظْهَرَ خَارِقَةً مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ هِيَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَةِ لَا مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ السِّحْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ (1) لَا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالسِّحْرِ، فَيُعَظِّمُونَ مَنْ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَيَقْتَدُونَ بِمَنْ لَا قُدْوَةَ فِيهِ، وَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ ـ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ ـ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ يَظْهَرُ بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَرْجَحُ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّ كُلَّ مَزِيَّةٍ أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ فَإِنَّ لِأُمَّتِهِ أُنْمُوذَجًا مِنْهَا، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ رَاجِحٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ إِطْبَاقُهُمْ عَلَى التَّرْكِ، إِذْ لَوْ كَانَ اعْتِقَادُهُمُ التَّشْرِيعَ؛ لَعَمِلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَهُ، أَوْ عَمِلُوا بِهِ ـ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ: إِمَّا وُقُوفًا مَعَ أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلِامْتِنَاعِ.
وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَوْ تَنَخَّمَ؛ ابْتَدَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَضُوءَهُ وَنُخَامَتَهُ، فَشَرِبُوهُ، وَمَسَحُوا بِهِ جُلُودَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ؛ سَأَلَهُمْ: «لِمَ تَفْعَلُونَ هَذَا؟»، قَالُوا: «نَلْتَمِسُ الطُّهُورَ وَالْبَرَكَةَ بِذَلِكَ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَلْيَصْدُقِ الْحَدِيثَ، وَلْيُؤَدِّ الْأَمَانَةَ، وَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» (صحّحه الألباني).
(1) () يعني: عامة الناس، لا جمهور أهل العلم.