فَالسُّكُوتَ عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ ـ إِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لَهُ ـ إِجْمَاعٌ مِنْ كُلِّ سَاكِتٍ عَلَى أَنْ لَا زَائِدَ عَلَى مَا كَانَ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَائِقًا شَرْعًا أَوْ سَائِغًا؛ لَفَعَلُوهُ، فَهُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِإِدْرَاكِهِ وَالسَّبْقِ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْإِحْدَاثِ:
- مَصْلَحَةٌ.
- أَوْ لَا.
وَالثَّانِي (1) لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.
وَالْأَوَّلُ (2) إِمَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ الْحَادِثَةُ آكَدَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَمَانِ التَّكْلِيفِ أَوْ لَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ آكَدَ مَعَ كَوْنِ الْمُحْدَثَةِ زِيَادَةَ لِأَنَّها زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَنَقْصُهُ عَنِ الْمُكَلَّفِ أَحْرَى بِالْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ لِمَا يُعْلَمُ مِنْ قُصُورِ الْهِمَمِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَسَلِ، وَلِأَنَّهُ خِلَافُ بَعْثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ فِي تَكْلِيفِ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَادَاتِ أَمْرٌ آخَرُ.
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الظَّاهِرَةُ الْآنَ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ أَوْ أَضْعَفَ مِنْهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ هَذَا الْإحْدَاثُ عَبْثًا أَوِ اسْتِدْرَاكًا عَلَى الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي زَمَانِ التَّشْرِيعِ إِنْ حَصَلَتْ لِلْأَوَّلِينَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْإِحْدَاثِ؛ فَالْإِحْدَاثُ إذَنْ عَبَثٌ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنَّ يَحْصُلَ لِلْأَوَّلِينَ دُونَ الْآخِرِينَ، مَعَ فَرْضِ الْتِزَامِ الْعَمَلِ بِمَا عَمِلَ بِهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ تَرْكِ الزِّيَادَةِ، وإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لِلْأَوَّلِينَ
(1) () أَنَّ هَذَا الْإِحْدَاثِ لَيْسَتْ فِيهِ مَصْلَحَةَ.
(2) () أَنَّ هَذَا الْإِحْدَاثِ فِيهِ مَصْلَحَةَ.