تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ إِذَا عُرِضَتِ النَّوَازِلُ؛ رُوجِعَ بِهَا أُصُولُهَا، فَوُجِدَتْ فِيهَا، وَلَا يَجِدُهَا مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، وَإِنَّمَا يَجِدُهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْصُوفُونَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي:

أَنْ يَسْكُتَ الشَّارِعُ عَنِ الْحُكْمِ الْخَاصِّ أَوْ يَتْرُكَ أَمْرًا مَا مِنَ الْأُمُورِ وَمُوجِبُهُ الْمُقْتَضِى لَهُ قَائِمٌ وَسَبَبُهُ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحَدَّدْ فِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ الْعَامِّ فِي أَمْثَالِهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ الْخَاصِّ مَوْجُودًا، ثُمَّ لَمْ يُشْرَعْ وَلَا نُبِّهَ عَلَى اسْتِنْبَاطِه؛ كَانَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا ثَبَتَ هُنَالِكَ بِدْعَةٌ زَائِدَةٌ وَمُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِذْ فُهِمَ مِنْ قَصْدِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ هُنَالِكَ لَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ (1).

(1) () كتَرْكِه - صلى الله عليه وآله وسلم - الأذان للعيدين، والغُسْل لكل صلاة، وصلاة ليلة النصف من شعبان، والأذان للتراويح، والقراءة على الموتى، فهذه أمور تُركت في عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - السنين الطوال مع عدم المانع من فعلها ووجود مقتضيها، لأنها عبادات والمقتضي لها موجود وهو التقرب إلى الله - عز وجل -، والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كانت دينًا وعبادة يُتقربُ بها إلى الله - عز وجل - ما تركها السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان، فتركه - صلى الله عليه وآله وسلم - لها ومواظبته على الترك ـ مع عدم المانع ووجود المقتضي ومع أن الوقت وقت تشريع ـ دليل على أن المشروع فيها هو الترك، وأن الفعل خلاف المشروع، فلا يتقرب بها؛ لأن القُرْبَة لابد أن تكون مشروعة.

وأما ما فعله الخلفاء ولم يكن موجودًا من قبلُ فهو لا يخرج عن أمور لم يوجد لها المقتضي في عهد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بل في عهد الخلفاء كجمع المصحف، أو كان المقتضي موجودًا في عهد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ولكن كان هناك مانع كصلاة التراويح في جماعة فإن المانع من إقامتها جماعةً والمواظبة عليها خوف أن تُفْرَض، فلما زال المانع بانتهاء زمن الوحي صح الرجوع فيها إلى ما رسمه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في حال حياته.

وما تركه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مع قيام المقتضي على فِعْلِه فتَرْكُه هو السنة وفِعْلُه بدعة مذمومة، لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين وأتم نعمته على المسلمين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

وعدم عمل السلف الصالح بالنَّصّ على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه؛ إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح.

قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: «ولكنا نتبع السُّنَّةَ فعلًا وتركًا» [فتح الباري (3/ 475)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٣٧