الشُبْهَةٌ الْأُولَى: الزَعْمُ بِأنّ الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ مَا زَالَ مَعْمُولًا بِهِ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَوْ فِي جُلِّهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ:
فَزَعَمَ أَنَّهُ مَا زَالَ مَعْمُولًا بِهِ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَوْ فِي جُلِّهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إِلَّا نَكِيرَ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْبَارُونِيِّ، ثُمَّ أَخَذَ فِي ذَمِّهِ.
وَهَذَا النَّقْلُ تَهَوُّرٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ إِجْمَاعٍ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ والْمُحْتَجِّ بِهِ قَبْلَ الْتِزَامِ عُهْدَتِهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ بَحْثَ أَصْلٍ عَنِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النَّقْلِ عَنْ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - إِلَى الْآنِ، هَذَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامِّ، وَإِنِ ادَّعَوُا الْإِمَامَةَ.
* وَقَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ» تَجَوُّزٌ، بَلْ مَا زَالَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَقَدْ نَقَلَ الطَّرْطُوشِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ تَخْدِمُ الْمَسْأَلَةَ، فَحَصَلَ إِنْكَارُ مَالِكٍ لَهَا فِي زَمَانِهِ، وَإِنْكَارُ الْإِمَامِ الطَّرْطُوشِيِّ فِي زَمَانِهِ، وَاتَّبَعَ هَذَا أَصْحَابُهُ وَهَذَا أَصْحَابُهُ. ثُمَّ الشُّيُوخُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْأَنْدَلُسِ حِينَ دَخَلَتْهَا هَذِهِ الْبِدْعَةُ وَقَدْ أَنْكَرُوهَا، وَكَانَ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ (1).
* وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ؛ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ. وَلَمَّا كَثُرَتْ الْبِدَعُ والْمُخَالَفَاتُ وَتَوَاطَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا؛ صَارَ الْجَاهِلُ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا مُنْكَرًا؛ لَمَا فَعَلَهُ النَّاسُ.
وَأَيْضًا؛ فَلَا تَكُونُ مُخَالَفَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى سُنَّةٍ حُجَّةً عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ أَبَدًا. فَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ ـ يَعْنِي: ابْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنهم - ـ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ إِلَى رَبِيعَةَ، فَتَذَاكَرُوا يَوْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ: «لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى
(1) () أي أن مَذْهَب الإمام مَالِكٍ إنكارُ هذه البدعة.