تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

الْخُرُوجُ عَنِ السُّنَّةِ

إِلَى الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوِ الْإِضَافِيَّةِ

ثَبَتَ أَنَّ الْحَرَجَ مَنْفِيٌّ عَنِ الدِّينِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَلْنَبْنِ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: قَدْ فَهِمَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَهْلِ الِانْقِطَاعِ إِلَى اللهِ مِمَّنْ ثَبَتَ وِلَايَتُهُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُشَدِّدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُلْزِمُونَ غَيْرَهُمُ الشِّدَّةَ أَيْضًا وَالْتِزَامَ الْحَرَجِ دَيْدَنًا (1) فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَعَدُّوا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الِالْتِزَامِ مُقَصِّرًا مَطْرُودًا وَمَحْرُومًا، وَرُبَّمَا فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْإِطْلَاقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَرَشَّحُوا (2) بِذَلِكَ مَا الْتَزَمُوهُ، فَأَفْضَى الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوِ الْإِضَافِيَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ:

أَنْ يَكُونَ لِلْمُكَلَّفِ طَرِيقَانِ فِي سُلُوكِهِ لِلْآخِرَةِ: أَحَدُهُمَا سَهْلٌ، وَالْآخِرُ صَعْبٌ، وَكِلَاهُمَا فِي التَّوَصُّلِ إِلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، فَيَأْخُذُ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ بِالطَّرِيقِ الْأَصْعَبِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِثْلِهِ، وَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ الْأَسْهَلَ بِنَاءً عَلَى التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ:

1 - كَالَّذِي يَجِدُ لِلطَّهَارَةِ مَاءَيْنِ: سُخْنًا وَبَارِدًا فَيَتَحَرَّى الْبَارِدَ الشَّاقَّ اسْتِعْمَالُهُ، وَيَتْرُكُ الْآخَرَ، فَهَذَا لَمْ يُعْطِ النَّفْسَ حَقَّهَا الَّذِي طَلَبَهُ الشَّارِعُ مِنْهُ، وَخَالَفَ دَلِيلَ رَفْعِ الْحَرَجِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى زَائِدٍ، فَالشَّارِعُ لَمْ يَرْضَ بِشَرْعِيَّةِ مِثْلِهِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29)، فَصَارَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ.

(1) () دَيْدَن: عادَةٌ ودَأْبٌ.

(2) () رَشَّحُوا: قَوَّوا ودعموا.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٢١