ثُمَّ نَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلَى اتِّخَاذِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، فَبَادَرُوا إِلَى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَقُولُوا: هُوَ شَاغِلٌ لَنَا عَمَّا أُمِرْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُشْعِرٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ الشَّرْعِيَّ أَنَّ كُلَّ مَطْلُوبٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، فَالْعِبَادَاتُ الْمَحْضَةُ ظَاهِرٌ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْعَادَاتُ كُلُّهَا إِذَا قُصِدَ بِهَا امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ عِبَادَاتٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا ذَلِكَ الْقَصْدُ، وَيَجِيءُ بِهَا نَحْوَ الْحَظِّ مُجَرَّدًا، فَإِذْ ذَاكَ؛ لَا تَقَعُ مُتَعَبَّدًا بِهَا، وَلَا مُثَابًا عَلَيْهَا، وَإِنْ صَحَّ وُقُوعُهَا شَرْعًا.
فَالصَّحَابَةُ - رضي الله عنهم - قَدْ فَهِمُوا هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ فَهْمِهِ أَنْ تَتَعَارَضَ الْأَوَامِرُ فِي حَقِّهِمْ وَلَا فِي حَقٍّ مَنْ فَهِمَ مِنْهَا مَا فَهِمُوا مِنْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الرَّهْبَانِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ فِي الْآيَةِ بِدْعَةٌ مِنَ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا الْإِضَافِيَّةِ، لِرَدِّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَهَا أَصْلًا وَفَرْعًا.