يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (المائدة: 87)، وَمِثْلُ هَذَا يُجَلّ مَقَامُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَأْتِيهِ، حَتَّى يُقَالَ لَهُ فِيهِ: لِمَ تَفْعَلْ؟ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي هَذَا الْمُعَارِضِ.
وَالْجَوَابُ:
أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ (1) إِنْ كَانَتْ هِيَ السَّابِقَةَ عَلَى آيَةِ الْعُقُودِ (2)؛ فَظَاهِرٌ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ إِذْ لَوْ أُرِيدَ الْأُمَّةُ ـ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ ـ؛ لَقَالَ: لِمَ تُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ؟ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1).
وَأَيْضًا فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ بِمَعْنَى الْحَلِفِ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالْحَلِفُ إِذَا وَقَعَ؛ فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُكَفِّرَ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (التحريم: 2)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمِينًا حَلَفَ - صلى الله عليه وآله وسلم - بِهَا.
وَأَمَّا إِنْ فَرَضْنَا أَنَّ آيَةَ الْعُقُودِ هِيَ السَّابِقَةُ عَلَى آيَةِ التَّحْرِيمِ؛ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ كَالْأَوَّلِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِمَعْنَى الْحَلِفِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ آيَةُ الْعُقُودِ غَيْرَ مُتَنَاوِلَةٍ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَأَنَّ قَوْلَهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة: 87) لَا يَدْخُلُ فِيهِ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ
(1) () وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: 87).
(2) () وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التحريم: 1).