تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خَرَّجَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ إِسْرَائِيلَ النَّبِيَّ يَعْقُوبَ - عليها السلام - أَخَذَهُ عِرْقُ النَّسَا (1)، فَكَانَ يَبِيتُ وَعَلَيْهِ زُقَاءٌ (2)، فَجَعَلَ عَلَيْهِ إِنْ شَفَاهُ اللهُ؛ لَيُحَرِّمَنَّ الْعُرُوقَ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ».

قَالُوا: «فَلِذَلِكَ تَسلّ الْيَهُودِ الْعُرُوقَ لَا يَأْكُلُونَهَا». وَفِي رِوَايَةٍ: «جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ لُحُومَ الْإِبِلِ»؛ قَالَ: «فَحَرَّمَتْهُ الْيَهُودُ».

قَالَ الْقَاضِي: «الَّذِي نَحْسَبُ ـ وَاللهُ أَعْلَمُ ـ أَنَّ إِسْرَائِيلَ حِينَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْحَلَالِ مَا حَرَّمَ؛ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْهِيًّا عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (التحريم: 2)، وَالْحَالِفُ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ؛ كَانَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَكَفَّرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ.

وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ يَكُونُ فِيهَا النَّاسِخُ والْمَنْسُوخُ، فَكَانَ النَّاسِخُ فِي هَذَا قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة: 87).

فَلَمَّا وَقَعَ النَّهْيُ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ: الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ .... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ، فَإِنْ قَالَ إِنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ قَوْلُهُ بَاطِلًا، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ باللهِ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ».

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ نَقُولَ: مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1)؛ فَإِنَّ فِيهَا إِخْبَارًا بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا

(1) () النَّسا: على وزن عصا: عرق من الوَرك إلى الكعب، والأفصح أن يقال له: «النَّسا» لا: «عرق النَّسا».

(2) () زُقاءٌ: أي: صياح.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢١٧