تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يَعْنِي: أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ـ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا ـ لَيْسَ بِرًّا فِي السَّفَرِ إِذَا بَلَغَ بِهِ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْحَدَّ، مَعَ وُجُودِ الرُّخْصَةِ، فَالرُّخْصَةُ إذَنْ مَطْلُوبَةٌ فِي مِثْلِهِ، بِحَيْثُ تَصِيرُ بِهِ آكَدَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَأْتِ طَرِيقَ الْبِرِّ عَلَى حَدِّهِ.

الإِشْكَالُ الثَّانِي:

وَهُوَ أَنَّ الْتِزَامَ النَّوَافِلِ الَّتِي يَشُقُّ الْتِزَامُهَا مُخَالَفَةٌ لِلدَّلِيلِ، وَإِذَا خَالَفَتْ؛ فَالْمُتَعَبِّدُ بِهَا ـ عَلَى ذَاكَ التَّقْدِيرِ ـ مُتَعَبِّدٌ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ، فَإِمَّا أَنْ تَنْتَظِمَهَا أَدِلَّةُ ذَمِّ الْبِدْعَةِ أَوْ لَا: فَإِنِ انْتَظَمَتْهَا أَدِلَّةُ الذَّمِّ؛ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص لَمَّا كَرِهَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَا كَرِهَ، وَقَالَ لَهُ: «إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»، فَقَالَ لَهُ ص: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» (1)؛ تَرَكَهُ بَعْدُ عَلَى الْتِزَامِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ فَهِمَ مِنْهُ بَعْدَ نَهْيِهِ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ؛ لَمَا الْتَزَمَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: «لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ ص!».

فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهَا بِدْعَةٌ ـ وَقَدْ ذُمَّ كُلُّ بِدْعَةٍ عَلَى الْعُمُومِ ـ؛ لَكَانَ مُقِرًّا لَهُ عَلَى خَطَأٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.

(1) () عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضي الله عنهما -، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّهُ يَقُولُ: «لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَا عِشْتُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟»، فَقُلْتُ لَهُ: «قَدْ قُلْتُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: «فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»، قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ»، قُلْتُ: «فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو - رضي الله عنهما -: «لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي» (رواه البخاري ومسلم).

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٠٤