تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنِ الرَّجُلِ يُقَرَأُ عِنْدَهُ فَيَصْعَقُ؟، فَقَالَ: «مِيعَادُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى حَائِطٍ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنْ وَقَعَ؛ فَهُوَ كَمَا قَالَ».

وَهَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ فِي الْمُحِقِّ والْمُبْطِلِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ الْخَوَارِجِ نَوْعًا مِنَ الْقِحَّةِ (1) فِي النُّفُوسِ الْمَائِلَةِ عَنِ الصَّوَابِ، وَقَدْ تُغَالِطُ النَّفْسُ فِيهِ فَتَظُنُّهُ انْفِعَالًا صَحِيحًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْعَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - لَا هُوَ (2) وَلَا مَا يُشْبِهُهُ، فَإِنَّ مَبْنَاهُمْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَ فِي دِينِ اللهِ هَذِهِ اللُّعَبَ الْقَبِيحَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ.

بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَشُمُّوا مِنْ أَوْصَافِ الْفُضَلَاءِ رَائِحَةً، فَأَخَذُوا بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، فَأَبْرَزَ لَهُمْ هَوَاهُمُ التَّشَبُّهَ بِالْخَوَارِجِ، وَيَا لَيْتَهُمْ وَقَفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ الْمَذْمُومِ، وَلَكِنْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الرَّقْصَ وَالزَّمْرَ وَالدَّوَرَانَ وَالضَّرْبَ عَلَى الصُّدُورِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْرِبُ عَلَى رَأْسِهِ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُضْحِكِ لِلْحَمْقَى؛ لِكَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِ الصِّبْيَانِ والْمَجَانِينِ، الْمُبْكِي لِلْعُقَلَاءِ رَحْمَةً لَهُمْ، وَلَمْ يُتَّخَذْ مِثْلُ هَذَا طَرِيقًا إِلَى اللهِ وَتَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ.

وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رضي الله عنه -؛ قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ... » (3) (رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني).

قَالَ الْإِمَامُ الْآجُرِّيُّ الْعَالِمُ السُّنِّيُّ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: «مَيِّزُوا هَذَا الْكَلَامَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: صَرَخْنَا مِنْ مَوْعِظَةٍ، وَلَا زَعَقْنَا، وَلَا طَرَقْنَا عَلَى رُؤُوسِنَا، وَلَا ضَرَبْنَا عَلَى

(1) () القِحّةُ: الجفاء، والقُحّ: هو الجافي من الناس.

(2) () أي هذا الانْفِعَال.

(3) () (ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ): سال منها الدمع، (وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ): الوجل: الخوف والخشية والفزع.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٧٢