وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: «أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ مَرْيَمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: 58)، فَسَجَدَ بِهَا، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ؛ قَالَ: «هَذِهِ السَّجْدَةُ قَدْ سَجَدْنَاهَا، فَأَيْنَ الْبُكَاءُ؟».
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ أَثَرَ الْمَوْعِظَةِ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ تَصَنُّعٍ إِنَّمَا هُوَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا. فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ صَعْقٌ وَلَا صِيَاحٌ وَلَا شَطْحٌ وَلَا تَغَاشٌ مُسْتَعْمَلٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَخَرَّجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي (تَفْسِيرِهِ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ قَالَ: «قُلْتُ لِجَدَّتِي أَسْمَاءَ: «كَيْفَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - إِذَا قَرَءُوا الْقُرْآنَ؟»، قَالَتْ: «كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ اللهُ: تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ». قُلْتُ: «إِنَّ نَاسًا هَاهُنَا إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهُمْ عَلَيْهِ غَشْيَةٌ». فَقَالَتْ: «أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
وَخَرَّجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: «مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَاقِطٌ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: «إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوْ سَمِعَ اللهَ يُذْكَرُ، خَرَّ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ».
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَاللهِ إِنَّا لَنَخْشَى اللهَ وَلَا نَسْقُطُ».
وَهَذَا إِنْكَارٌ.
وَخَرَّجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رضي الله عنه - قَالَ: «جِئْتُ أَبِي، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ؟»، فَقُلْتُ: «وَجَدْتُ أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللهَ، فَيَرْعَدُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ»، فَقَالَ: «لَا تَقْعُدْ بَعْدَهَا». فَرَآنِي كَأَنِّي لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَتْلُوَانِ الْقُرْآنَ، فَلَا يُصِيبُهُمْ هَذَا، أَفَتَرَاهُمْ أَخْشَعَ للهِ مَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟!»، فَرَأَيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَرَكْتُهُمْ».
وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَعَمُّلٌ وَتَكَلُّفٌ لَا يَرْضَى بِهِ أَهْلُ الدِّينِ.