أَقُولَ: يَا رَبِّي! سَلْ عَبْدَكَ: لِمَ قَيَّدَنِي ظُلْمًا وَأرَاعَ بِي (1) أَهْلِي؟» فَبَكَى الْوَاثِقُ وَبَكَى الشَّيْخُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: «يَا شَيْخُ! اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ». فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَلِقَرَابَتِكَ مِنْهُ». فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الْوَاثِقِ، وَسُرَّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَقِمْ عِنْدِي آنَسُ بِكَ»، فَقَالَ لَهُ: «مَكَانِي فِي ذَلِكَ الثَّغْرِ أَنْفَعُ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَلِي حَاجَةٌ». قَالَ: «سَلْ مَا بَدَا لَكَ». قَالَ: «يَأْذَنُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي رُجُوعِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ». قَالَ: «قَدْ أَذِنْتُ لَكَ». وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا.
فَرَجَعْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَأَحْسَبُ أَيْضًا أَنِ الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْهَا».
فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ، فَفِيهَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَانْظُرُوا كَيْفَ مَأْخَذُ الْخُصُومِ فِي إِفْحَامِهِمْ لِخُصُومِهِمْ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وَمَدَارُ الْغَلَطِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ فَإِنَّ مَآخِذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا، وَعَامِّهَا الْمُرَتَّبِ عَلَى خَاصِّهَا، وَمُطْلَقِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى مُقَيَّدِهَا، وَمُجْمَلِهَا الْمُفَسَّرِ بِبَيِّنِهَا ... إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَنَاحِيهَا، فَإِذَا حَصَلَ لِلنَّاظِرِ مِنْ جُمْلَتِهَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ حِينَ اسْتُنْطِقَتْ.
وَمَا مِثْلُهَا إِلَّا مَثَلُ الْإِنْسَانِ الصَّحِيحِ السَّوِيِّ، فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ إِنْسَانًا حَتَّى يُسْتَنْطَقَ فَلَا يَنْطِقُ؛ بِالْيَدِ وَحْدَهَا، وَلَا بِالرِّجْلِ وَحْدَهَا، وَلَا بِالرَّأْسِ وَحْدَهُ، وَلَا بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ بِجُمْلَتِهِ الَّتِي سُمِّيَ بِهَا إِنْسَانًا. كَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْحُكْمُ
(1) () أراع فلانًا: راعَهُ، أفزعه وخوَّفه.