ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ! قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3)، فَقُلْتَ أَنْتَ: الدِّينُ لَا يَكُونُ تَامًّا إِلَّا بِمَقَالَتِكَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَاللهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ أَصْدَقُ فِي تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ أَمْ أَنْتَ فِي نُقْصَانِكَ؟! فَأَمْسَكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ!».
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: «أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ!، قَالَ اللهُ - عز وجل -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: 67)، فَمَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا فِيمَا بَلَّغَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - إِلَى الْأُمَّةِ أَمْ لَا؟»، فَأَمْسَكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!، وَهَذِهِ ثَالِثَةٌ!».
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: «أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ!، لَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مَقَالَتَكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا؛ اتَّسَعَ لَهُ عَنْ أَنْ أَمْسَكَ عَنْهُمْ أَمْ لَا؟»، قَالَ أَحْمَدُ: «بَلِ اتَّسَعَ لَهُ ذَلِكَ». فَقَالَ الشَّيْخُ: «وَكَذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ لِعُمَرَ، وَكَذَلِكَ لِعُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ لَعَلِّيٍّ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ؟»، قَالَ: «نَعَمْ».
فَصَرَفَ وَجْهَهُ إِلَى الْوَاثِقِ، وَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِذَا لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَلِأَصْحَابِهِ؛ فَلَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْنَا»، قَالَ الْوَاثِقُ: «نَعَمْ؛ لَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْنَا إِذَا لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَلِأَصْحَابِهِ».
ثُمَّ قَالَ الْوَاثِقُ: «اقْطَعُوا قُيُودَهُ». فَلَمَّا فُكَّتْ؛ جَاذَبَ عَلَيْهَا (1).
فَقَالَ الْوَاثِقُ: «دَعُوهُ». ثُمَّ قَالَ: «يَا شَيْخُ! لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهَا؟»، قَالَ: «لِأَنِّي عَقَدْتُ فِي نِيَّتِي أَنْ أُجَاذِبَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذْتُهَا؛ أَوْصَيْتُ أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ يَدِي وَكَفَنِي حَتَّى
(1) () جاذب: نازع.