تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالِابْتِدَاعَ شَرٌّ كُلُّهُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ فَرْضِ الْوُجُوبِ، وَهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَجِبُ، وَإِذَا وَجَبَتْ؛ لَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الشَّرِّ كُلِّهِ؛ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا الْأَمْرُ بِهَا وَالْأَمْرُ بِتَرْكِهَا؛ فَلَزِمَ التَّنَاقُضَ.

والْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مِنْ قِبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّلَفِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْخُصُوصِ. وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَا مِنَ الْبِدَعِ؛ فَلَوْ كَانَ ثَمَّ (1) مَنْ يَسِيرُ إِلَى فَرِيضَةِ الْحَجِّ طَيَرَانًا فِي الْهَوَاءِ، أَوْ مَشْيًا عَلَى الْمَاءِ؛ لَمْ يُعَدَّ مُبْتَدِعًا بِمَشْيِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَقَدْ حَصَلَ عَلَى الْكَمَالِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ:

صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ قَدْ سَمَّاهَا عُمَرُ - رضي الله عنه - بِدْعَةً وَحَسَّنَهَا بِقَوْلِهِ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» (رواه البخاري)، وَإِذَا ثَبَتَتْ بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الشَّرْعِ؛ ثَبَتَ مُطْلَقُ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْبِدَعِ.

وَالْجَوَابُ:

أوَّلًا: أَنَّ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ، قَدْ قَامَ بِهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي الْمَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ. فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه -؛ قَالَ: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ؛ لَمْ يَقُمْ بِنَا؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ؛ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟»، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».

(1) () ثَمَّ: هناك.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٢٣