تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَذَلِكَ الأَخْذُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ: «دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ» من باب الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، إِنْ لَمْ نَقُلْ: إِنَّ أَصْلَهُ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ (1).

وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ مَقُولٌ بِهَا عِنْدَ السَّلَفِ مَعَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَا يَذُمُّونَ الْبِدَعَ وَأَهْلَهَا وَيَتَبَرَّؤُنَّ مِنْهُمْ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ مُبَايِنَةٌ لَهَا، وَلَيْسَتْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ.

وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابٌ تُذْكَرُ فِيهِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ.

الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوهَا قِسْمًا وَاحِدًا مَذْمُومًا، فَجَعَلُوا مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ أَمْرٌ مُخْتَرَعٌ، لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ مُتَدَافِعٌ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْبِدْعَةِ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ؛ لَا مِنْ نُصُوصِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ قَوَاعِدِهِ. إِذْ لَوْ كَانَ هُنَالِكَ مَا يَدُلُّ مِنَ الشَّرْعِ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ؛ لَمَا كَانَ ثَمَّ (2) بِدْعَةٌ، وَلَكَانَ الْعَمَلُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا أَوِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، فَالْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ بِدَعًا، وَبَيْنَ كَوْنِ الْأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا أَوْ نَدْبِهَا أَوْ إِبَاحَتِهَا جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ.

(1) () أي القصة المذكورة في سورة البقرة، والشاهد أنه لما أحياه الله - عز وجل - أخبرهم بقاتله، فبنوا الحُكْمَ على قوله.

(2) () ثَمَّ: هناك.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٢٢