ومنها دعوى المرأة على عيسى بن موسى أكبر أمراء البيت العبّاسيّ، ووالي العراق أمام القاضي شريك. ثمّ حكموا له عليه، لا يبالون مع الحقّ صغيراً ولا كبيراً " (1).
" فما كان المسجد في فجر الإسلام إلاّ جامعة شعبيّة للتثقيف والتهذيب، وبرلماناً محلّياً للتشاور والتفاهم، ومجمّعاً للتعارف والتحابّ، ومعهداً للتربية العمليّة الأساسيّة.
وأيّ جامعة شعبيّة كالمسجد.! تسع الجميع في رحابها، في الليل والنهار، والصيف والشتاء، ولا تردّ طالباً شيخاً كان أم صبيّاً، ولا تشترط رسوماً ولا تأميناً، ولا تضع قيوداً ولا عراقيل.!؟
أيّ جامعة كهذه.! تعلّم قواعد العقائد، وفرائض العبادات، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وطرائق المعاملات، وتعقد فيها للعلم حلقات، تغشاها الرحمة، وتنزل عليها السكينة، وتحفّها الملائكة.
ولم تكن حلقات المساجد مقصورة على العلم الدينيّ المحض، بل شملت كلّ ما وصل إليه العقل الإسلاميّ من معارف أدبيّة وإنسانيّة؛ فمنذ صدر الإسلام نرى حلقة كحلقة حبر الأمّة، وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنه - تتّسع لعلوم ومعارف مختلفة، يفرد لكلّ منها يوماً.
ولا غرو أن نشأ العلم في الإسلام موصولاً بالعبادة، وأن ترعرعت " الجامعات " العريقة تحت سقوف " الجوامع ".
ومن منا يجهل المكانة العلميّة لجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، وما قدّمته هذه الجوامع أو الجامعات من خدمة للعلم والثقافة قروناً طويلة.؟!
(1) ـ انظر كتاب: " الجامع الأمويّ في دمشق، وصف وتأريخ " بقلم الشيخ علي الطنطاويّ، ص/ 7 ـ 10/.