تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال أرسطو: «لقد تخلصنا به نهائيا من مضايقات الوزن المستمر.» فقد وضع الختم الرسمي للدولة على هذه القطع المعدنية الموزونة، وهذا هو أساس كل نقد حتى أحسن أنواع النقود الذي تطابق قيمته الاسمية القيمة المعدنية تماما، وكان للحكومة الحق في أن تفرض للنقود قوة التعامل، وأن ترغم الناس في كل مكان تحت سلطتها على قبولها، ولم يتحقق استنباط النقود المختومة الرسمية إلا في القرن الثامن وأوائل السابع ق.م، وكل المصادر التاريخية والأثرية تنسب شرف هذا الاختراع إلى الليديين واليونانيين، ثم انتشر عنهما إلى الأمم الأخرى مع انتشار الحضارة اليونانية، وتدل النقوش والمصادر على وجود القطع المعدنية ذات الوزن المحدد من أقدم العصور، ولكن لم نر أثرا للنقود قبل هذا التاريخ.

أما أول عملة فكانت سبيكة بسيطة تحمل نقشا بمثابة ختم رسمي، على أنه وجدت قبل ذلك بعض قطع تحمل أختاما خاصة شخصية كضمان لقيمة المعدن، منها واحدة عليها غزال كتب حوله باليونانية «أنا علامة فانوس» كما في الصين الآن، وكان لكل بلد رمز خاص به، وكان في أول الأمر محفورا في القطعة، ثم صار بارزا على سطحها، وارتقى فنيا حتى صار موضع تنافس المتفننين البارزين في ذلك الوقت، وقد كان الآسيويون يحفرون الرمز على الحجر، ثم يصبون العملة عليه فيظهر على القطعة رمزا بارزا، وقد قلدهم اليونان ثم تناولوه بالتحسين حتى وصل إلى درجة رائعة من الفن.

قال «بولكس» المؤرخ: إن أول من ضرب النقود «فيدون» ملك أرجوس اليوناني أو الليديون، ففي النظرية اليونانية أن «فيدون» أول من ضرب العملة من الفضة في اليونان الأوروبية على شكل سلحفاة بحرية، يؤيد ذلك أنه وهب معبد هيريون بعض السبائك بدون أختام من الفضة على شكل مسلات كانت مستعملة قبله في اليونان، وقد وهبها الملك لذكرى اختراعه العملة، أما النظرية الآسيوية، فهي أن الليديين هم أول من ضربوا النقود من الذهب، ويؤيد ذلك المؤرخ «هيرودوت» إذ يقول: «الليديون على حد معرفتنا هم الأول بين الرجال الذين ضربوا العملة من الذهب والفضة.» وأيده المؤرخ «أجزنوفان»، واقتبس عنه «بولكس»، أما أول من ضرب الذهب «الكنروم وهو خليط من الذهب والفضة طبيعي» فهم الليديون، وأول من ضرب الفضة في اليونان هو «فيدون»، ولكن أيهما أسبق؟ فإذا عرفنا أن العملة في ليديا ضربت بعد انتهاء دولة مرمناو؛ أي في عهد «چيچة»، وأن تاريخ حكم «فيدون» ملك أرجوس غامض لا يعرف هل هو أول بعد حكم «چيچة»، كان لا بد من الاستشهاد بالآثار نفسها، وإذا درسنا أقدم القطع في المجموعتين الليدية واليونانية، وهما بالتأكيد أقدم ما ظهر من العملة وينتميان إلى النصف الأول من القرن السابع قبل الميلاد، وجدنا أن مظاهر الخشونة وعدم الإتقان تبدو واضحة على القطع اليونانية الفضية، وهي مستطيلة الشكل على هيئة سلحفاة بحرية، بينما النقود الذهبية الليدية مستديرة الشكل، وعلى ظهرها ثلاثة نقوش محفورة في نظام، وفي إحداها صورة ابن آوى، وهو رمز إله الليديين «بساريوس»، وليس على وجهها إلا بعض خطوط أدق نسبيا وأرقى ما تم من الوجهة الفنية، وليس ذلك دليلا على أن العملة اليونانية أقدم من الأخرى؛ إذ يرجع السبب إلى تقدم الليديين لأن الحضارة وارتفاع الفن في آسيا الصغرى سبقا بمراحل الحضارة اليونانية في أوروبا في ذلك الوقت، الواقع أن العملة الليدية تمثل الانتقال بين التبادل بالقطع المعدنية ذات الوزن المحدود بدون ختم رسمي، وبين النقود الحقيقية، فهي سبائك عليها ختم الدولة الرسمي، فاكتسبت بذلك ضمانا قانونيا لوزنها ونوع معدنها. (9) ركوب الماء والسفن

المظنون أن الإنسان عرف مراكب الماء من سفن وقوارب منذ ثلاثين ألف عام وأكثر، وإن لم تكن على الصورة التي وصل إليها صنعها الآن، وأن الإنسان كان يركب الماء جاذفا على الماء في كتلة من الخشب أو جلد منفوخ، وقد وجد في مصر وسومر القارب المشابه للسلة، وهذا النوع من القوارب لا يزال مستعملا في أيرلندا وويلز وألسكا وفي خليج بهرنج، ثم عرفت بعدئذ الكتلة الخشبية المجوفة، ثم تطور صنعها إلى الحالة التي تشبه ما هو قائم من أنواع السفن ذات المجاذيف فذات الشراع، وقد عرفت السفن الصالحة في البحر المتوسط والخليج الفارسي، ثم البحر الأحمر منذ 7000ق.م، وكان أكثرها للصيد وأقلها للتجارة والقرصنة، وقد بدأ سير السفن في الأمواه الداخلية حينما كان التيار المائي هادئا مدة طويلة، وقد ظل حجم السفن صغيرا، فلم تعرف السفن الكبيرة الضخمة حسنة البزة جيدة التركيب القادرة على مخر عباب المحيطات؛ إلا منذ 400 سنة، فقد كانت السفن الصغيرة قبل هذا تسير بالمجاذيف على مقربة من السواحل، وتسرع إلى الوقوف أو العودة إلى المرسى كلما لاح خطر الأمواج أو العواصف، وكانت الأمم السامية في مقدمة الشعوب استخداما للسفن، فأنشأت الثغور والمراسي البحرية في شرقي البحر المتوسط، وكان سكان صيدا وصور على رأس هذه الأمم ركوبا للبحر محترفين التجارة والغزو والقرصنة، وقد عرفوا باسم «الفينيقيين»، وقد وصلوا إلى إسبانيا طاردين الأيبريين سكان الباسك، وموفدين البعثات ماخرة عباب مضيق جبل طارق، منشئين المستعمرات في شمال أفريقيا، وخاصة قرطاجنة.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٧٦