لهذا كانت الفلسفة اليونانية مشتركة مع الحكمة الهندية مع مذهب لأوتسه الصيني في التفكير الطليق.
والفلسفة اليونانية - إلى هذا - تنفرد عن الفلسفة الهندية في أنها، وهي تتفهم في الوجود في ظواهره وأسراره، تعمد إلى وضع القواعد الثابتة والنظريات المبرهنة والأحكام المسلمة كأساس راسخ للبحث الكلي في المسائل العامة والنتائج الشاملة، فتكونت بهذه الطريقة الفلسفة الحرة اليونانية ومعها مبادئ علمية ما كانت معروفة من قبل، بل وضعها العقل اليوناني وضعا، ولقد نمت هذه المبادئ العلمية شيئا فشيئا حتى صارت علوما مدونة ومبوبة، لكل واحد منها اسمه الخاص به، واستقلاله المنفرد به في موضوعه ومسائله وطريقة البحث فيه، وللمعلم الأول يرجع الفضل الكبير في ذلك، هذا ولا جدال في أن الفلسفة اليونانية - وهي ينبوع فياض قد اتصلت به كل الأمم المفكرة واغترفت منه - كانت الحلقة الأولى في التاريخ الفلسفي، التي نشأت عنها كل علاقاته المحكمة الاتصال.
ثم إن جميع العلوم الإنسانية على اتساعها الآن يرجع، في أصل نشأتها، إلى البذور العلمية الفلسفية الأولى التي نشأت في حجر الفلسفة اليونانية، هذا وما يزال الذوق الأدبي الحاكم في الناس حتى الآن، يستمد روحه الأقوى من الذوق الأدبي اليوناني الذي انبعثت عنه الفلسفة اليونانية. (1) فلسفة سقراط
عند الفلاسفة المتأخرين أمثال تسلر وبترو أن سقراط يعد المؤسس الحقيقي لعلم الأخلاق، الذي مهد له من سبقه من الشعراء والحكماء والفلاسفة بعبارات قوية وتعبيرات دقيقة استمدوها من تجاريبهم في الحياة، وفي سبيل الرد على اعتراضات السفسطائيين وإعداد العقائد والتقاليد، اضطر سقراط إلى تكوين علم غايته إرضاء مطالب العقل والعقائد القديمة وموضوع هذا العلم «تحديد الماهيات»، أو قل إنه تكوين آراء عامة تحصل من الاستقراء وذلك بانتقاله من الجزئيات إلى الطبائع العامة أو الماهيات الكلية التي يعدها سقراط موضوع العلم، والمعاني العملية والمسائل الإنسانية فكان في أفعاله وفي حياته الأخلاقية هو موضوع تفكيره، يقول إكسانوفون: إن سقراط كان يرمي إلى تحديد ماهية جميع الموجودات. لقد عرف سقراط العدالة بأنها قوانين ثابتة، والتقوى بأنها تقديم ما للآلهة من الاحترام إليها، غير أن هذا التعريف لا يحمل طابعا علميا. لقد كانت المحاورات المعروفة بالسقراطية هي التي تؤرخ شباب أفلاطون، وتمتاز بخلوها من أي أثر لنظرية المثل، فهي تبين أن الفيلسوف يناقش في دقة بعض التعاريف، ولكنه لا يخرج منها بنتيجة مطلقا، فإن لاشيز يفرض بعض التعاريف عن الشجاعة، ولكنه يرفضها كلها. وهذا ما نراه كذلك في هيبياس الأصغر في بعض التعاريف الخاصة بالجمال.
وفي الجملة كانت جميع هذه المحاولات نقدية وحسب، بل إن بروتاغوراس يترك كذلك بعض المسائل معلقة، بل إن في تيتاوس - حيث يتجاوز أفلاطون آراء أستاذه - نرى النتيجة سالبة دائما، هذا ولم يذكر أرسطو أمثلة لتعاريف وضعها سقراط، مع أنه يذكر أن سقراط حاول أن يضع تعاريف عامة إلا أنه لا يذكر هل وفق سقراط في ذلك أم لم يوفق. وعلى الخصوص لم يظهر لنا كيف وفق في ذلك، ويبدو من كل هذا أنه إذا كان سقراط قد أدرك ما يجب أن يكون عليه العلم، إلا أنه لم يوفق في تحقيق الفكرة التي وضعها له، فحدد موضوع العلم تحديدا تاما ولم يستطع تحديد مضمونه، ويبدو أن سقراط نفسه كان يشعر بعدم قدرته على تحقيق العلم كما كان يدركه؛ إذ إنه بحث عن السبب الذي دعا كاهنه دلف إلى القول بأنه أعلم الناس، فأدرك أنه أكثر من غيره علما، غير أنه ظهر أسمى وأقدر منهم جميعا في أنه لا يدعي علم ما يجهله، وكثيرا ما كان يردد سقراط أن أحسن ما يعلمه هو أنه لا يعلم شيئا، ويذكر في تيتاوس في كلماته الخاصة بأنه غير كفء لتوليد أية معرفة (تيتاوس 1597)، وطبقا للتعريف المشهور للتوليد المذكور في هذه المحاورة يبين منهج سقراط من بحث أفكار غيره؛ أي التعاريف التي يذكرونها، لا أن يضع هو أفكارا وتعاريف. ويقول سقراط إن كل ما يعمله هو إيقاع غيره في الشك والتناقض، وفي المحاورات المختلفة يرفض أن يضع هو نفسه أي مذهب، واكتفى بنقد مذاهب سواه، وكان يرفض دائما الخضوع إلى مراحل السؤال التي كان هو نفسه يخضع لها محدثيه. ويقول أرسطو: إن سقراط كان يسأل ولكنه لم يكن يجيب. (2) السفسطائيون