وكانت مصر في ذلك الوقت تستعمل البردي، وهو نبات قد زال الآن من مصر، ولكنه ينبت في بعض أنحاء السودان، وكان اليابانيون والصينيون يصنعون ورقا جيدا قبل الميلاد المسيحي، وكانوا يصنعونه من الخرق والكتان والقطن ولحاء بعض الأشجار، وكانت الكتب تصنع صنعا، فكان الكتاب قطعة ورق مستطيلة تلف حول أسطوانة وتكتب على وجه واحد فقط، وفي القرون الوسطى حدث بعض التطور؛ إذ صارت الكتب تؤلف من أوراق مربعة مكتوبة على الوجهين، وكانت تلصق معا وتوضع بين دفتين من الخشب أو الرق أو المعدن، وكان كثيرا ما يدعم الناس دفتي الكتاب بقضبان من الفولاذ، فكانت الكتب لذلك ثقيلة كبيرة الخطر على من يتناولها، فقد حدث أن سقط كتاب على بترارك الشاعر فأذاه أذى كبيرا في ساقه، وكان الناس يعتقدون أنهم يحمون الكتب بهذه الطريقة من اللصوص، وقد ثبت في سنة 1515 أن مكتبة البندقية التي كان أسسها الكردينال بيساربون قد فقد منها نحو 400 كتاب؛ أي نصف مجموع ما فيها؛ وذلك لأن المستعيرين لم يردوا ما استعاروه، ولما أراد لويس الحادي عشر أن يستعير من كلية الطب في باريس كتابا عربيا في الطب، رفض أمين المكتبة أن يسلم الكتاب إلا بعد أن أخذ كأسا من الفضة رهنا عليه، وبعد أن يحصل على ضمان رجال حاشيته في رد الكتاب.
ثم إن أدوات الكتابة قد تحسنت بعدئذ فكانوا يكتبون بريش الأوز ثم استعملوا الفرشاة ثم القصب ثم الحديد، وصار الحبر الأسود يستعمل دون غيره وخصص الحبر الأحمر لكتابة العناوين، وكان كاتب العنوان إخصائيا في صناعته لا ينتمي إلى طبقة النساخ الذين يكتبون صفحات الكتاب، ثم هبطت أسعار الورق وعمم استعماله بين الناس، فقد جاء الورق من قلب آسيا، فحمله العرب الذين كانوا وسيلة الاتصال بين الشرق والغرب إلى أوروبا، وقد انتشر بعد الحروب الصليبية في الأقطار المحيطة بالبحر المتوسط، وكانت الأندلس أحد مراكز صناعة الورق، وأقدم أنواع الورق هو الآن في الإسكوريال في إسبانيا، وفي سنة 1221 أمر الإمبراطور فريدريك الثاني موظفيه ألا يكتبوا القوانين على الورق، وإنما يكتبونها على الرقوق، وفي القرن الرابع عشر انتشرت معامل الورق في فرنسا، وقد كان الورق يصنع باليد إلا حيث كان يمكن إدارة المصنع بالماء المنحدر، وكان نسخ الكتاب الواحد يحتاج إلى عدد كبير من النساخ، وقد نسخ كتاب عن الرسوم الإكليريكية فاحتاج نسخه إلى 21 شهرا، فلو حسبنا ما نحتاج إليه من الوقت؛ لكي ننسخ 3000 كتاب مثله لبلغ 5250 سنة؛ ولهذا السبب كان اقتناء الكتب يعد من ضروب الترف ولا يقدر عليه إلا كبار الكهنة والأشراف.
وكان الذي أدى في النهاية إلى اختراع الطباعة الحديثة، كثير من المخترعات التقت معا في نقطة واحدة، فاختراع الطباعة لم يحدث دفعة واحدة، وإنما جاء خاتمة لمخترعات كثيرة جعلت وجوده في حيز الممكنات، وكان أول ذلك انتشار صناعة الورق ثم الطبع بحفر الخشب، فقد كانت لفظة «الطباعة» معروفة في هولندا قبل ظهور الطباعة الحديثة؛ وذلك لأنهم كانوا يطبعون الصور على ورق اللعب، عن أصل من المعدن أو الخشب، قد حفرت فيه الصورة بارزة، وكانت الصور الكبيرة تطبع على هذا النحو ويطبع معها بيتان أو ثلاثة من الشعر، وكان هذا الفن معروفا في كوريا قبل المسيح، وشاع استعماله في النصف الأول من القرن الخامس عشر في أوروبا.
ومما ساعد على اختراع الطباعة فصل الحروف، فإن الحروف كانت تكتب قبلا متصلة، ولكن بعضهم اهتدى إلى طريقة فصلها وصار يصنعها من الخشب أو المعدن، ثم كانت تصف وتضغط بما يشبه المضاغط التي كانت تستعمل في عصر العنب أو الزيتون، وقد كان الرومان يعرفون الحروف المنفصلة ويعلمونها أولادهم، ثم كان القدماء يعرفون الختم ويطبعونه على الشمع فتظهر الصورة والرمز أو الاسم.