تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أثبت «فون فرتش» بالمراقبة الدقيقة أن بين كثرة النحل حول مورد الغذاء والرقص صلة مؤكدة، ثم خطر له أن يبحث كيف يعرف النحل موقع الغذاء من مجرد الرقص؛ لأنه شاهد أن النحل الذي يذهب إليه يذهب مستقلا لا تابعا للنحلة التي اكتشفته، فوجد أنه إذا كان مورد الغذاء جرة أو لوحا أو أي مصدر للغذاء غير مألوف في حياة النحل فقد يطول الوقت قبلما يكتشفه النحل، فكان الرقص يدله دلالة عامة على موقع المورد دون أن يستطيع التحديد، وقد كان مورد الغذاء في إحدى هذه التجارب جرة من الشراب السكري على بعد كيلومتر من القفير يحول بينه وبين القفير تلال وحدائق.

أما إذا كان مصدر الغذاء طبيعيا مألوفا؛ أي زهرة من الأزهار، فإن النحل بعد أن يشاهد الرقص يسير إليها توا، صادفا عن غيرها من الأزهار، وقد نجح في تطبيق تجربته هذه على جميع الأزهار إلا الأزهار التي لا رائحة لها.

وتفسير ذلك أن النحل يشم رائحة الزهرة العالقة بجسم النحلة الأولى عندما يلمسها بلوامسها وهي ترقص. (2) الكتابة

بدأت الكتابة صورا للإنسان والحيوان وما إليه، ثم اختزلت فكان يرمز بخط عمودي صغير تخترقه شرطة أو شرطتان، ثم صارت كتابة تصويرية مكثفة مألوفة، ولما كانت الكتابة السومرية تدون بالعصا على الطين، سرعان ما اختلفت أوضاع الصور الكتابية عما تمثله من الأشياء، ودعيت بالكتابة المسمارية.

أما الكتابة المصرية القديمة فقد بقيت المماثلة بين الشيء وصورته الكتابية قائمة؛ لأن المصريين كانوا يدونون الكتابة على الجدران، والقطع المستطيلة من قصة البردي، وهو أول نوع للورق.

ثم إن الكتابة سارت خطوة أخرى حين أصبحت الصورة لا تمثل الشيء المصور ذاته بل شيئا يماثله، أما اللغة السومرية فقد أصبحت تتألف من مقاطع مركبة، حين أريد منها التعبير عن الأفكار التي لا تستطيع الصور الدلالة عليها توا.

هذا وقد خطت اللغتان المصرية والسومرية هذه الخطوات مفيدتين من اتصالهما بأمم أخرى عاونت على اختراع الأحرف الهجائية، بعد أن نهلت من فيضهما، وعلى هذا كانت الحروف الهجائية الصحيحة في العالم ثمرة امتزاج الكتابة السومرية بالكتابة الهيروغليفية، أما في الصين فإن الكتابة التصويرية لم تتطور إلى الأحرف الهجائية.

وليس بعجيب أن يفضي اختراع الحروف الهجائية إلى تقدم الحياة الاجتماعية، وأن يكون من آثاره تدوين الاتفاقات وتسجيل القوانين والأوامر وصيرورة الدول أوسع رقعة وثقافة ويقظة، وأن تنقل أوامر الملك والقسيس وأختامهما إلى غير المكان الذي يقيمان فيه.

وكان السومريون يعنون بصنع الأختام ويتأنقون في زخرفتها، وكان الأشراف والتجار يبصمون بها على الوثائق المحفورة على الطين، فتبقى على الزمن لا تمسها يد العفاء، وفي بابل كانت الكتابة المسمارية هي كتابة سكان بابل؛ لأن حروفها تشبه المسامير شكلا. (3) الطباعة

كان الناس في بيروه القديمة في «أمريكا الجنوبية» يعبرون عما يقصدون في رسائلهم بعقد العقد في الحبال، وتلوينها بألوان ذات معان خاصة، ولا يزال بعض العامة في مصر يعقدون عقدة في المنديل إذا كانوا يخشون النسيان، وبعض الخبازين يحزون العصا حزوزا بمقدار الرغفان، أما السقاءون فيرسمون على باب المنزل خطوطا عريضة كل خط رمز للواحد.

كانت الصور في بداية الصناعة تدل على الفكرة، ثم أخذت تتطور حتى صارت تدل على الصوت المنطوق.

وأخذ التقدم يطرد إلى أن اخترع بعضهم حروفا تدل على الحركة في الكلمة، إذ أمكن بنحو 30 علامة أن تبين أصوات أية لفظة إنسانية، وهذه العلامات هي الحروف الهجائية، والأرجح أن الفينيقيين هم أول من استعمل هذه الحروف؛ لأنهم كانوا أمة تجارية يحتاجون إلى ضبط حسابهم.

وكان الناس يكتبون على مواد عديدة، فكان الآشوريون يكتبون على قوالب من الآجر، وكانت المنشورات الحكومية تكتب على الحجر أو البرنز، وقد استعمل للكتابة أيضا عظم اللوح من البقر والغنم والإبل، وكذلك استعمل الخشب المصقول، وبعض الصفائح المغطاة بالشمع وجلود الحيوان بعد تجفيفها وتلوينها وكانت تسمى رقوقا.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٦٨