تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ففي عصر الهمجية، وهو الأول، كانت المرحلة الأولى للحياة الإنسانية هي مرحلة الطفولة؛ إذ كان الإنسان لا يزال يعيش حيثما ظهر. أعني في الغابات الحارة وشبهها، معتصما بالأشجار خشية الضواري ولحاجته إلى اتخاذ فاكهتها وبندقها وجذورها طعاما له. وبدأ يخرج أصواتا هي أصول الكلمات الناطقة ومبادئ اللغة.

وفي المرحلة الثانية؛ أي الوسطى، آثر الإنسان أن يمشي على الأرض وعلى الشواطئ، فعرف السمك وعرف النار التي يشوي عليها السمك، ووسعه أن يسير مع مجاري الأنهار منتقلا من مكان إلى آخر، مستخدما النار إلى شواء السمك، في طهي الجذور والخبز في التراب الساخن أو أفران الأرض متخذا من الحجارة أدوات غير مهذبة، وهي أدوات العصر الحجري الأول «البالايوليتيك»، ومبتدعا السلاحين الأولين: الحربة والنبوت، وبهما عرف القنص والصيد وتذوقه.

وأما المرحلة الأخيرة، العليا: فقد ابتدع الإنسان فيها القوس والسهم والوتر بعد تجارب عقلية وصعاب استغرقت الألوف من السنين، وأصبح الصيد أهم وسائل الإنسان إلى الطعام اليومي، وشرع الإنسان في سكنى القرى ومراقبة الطعام وإعداد الأوعية الخشبية، ونسج لحاء الأشجار باليد وعمل السلال من قصب الغاب واللحاء، وتحديد الأدوات الحجرية، فإن النار والفأس الحجري كانا من أدوات الحفر، كما كانت أخشاب الغابات صالحة لبناء الدور.

أما عصر البربرية، وهو العصر الثاني: فتبدأ مرحلته الأولى منذ عرف الإنسان الطين واتخذه غطاء للخشب والأوعية وقاية لها من النار، ثم أدرك أن النار تجعل الطين ذاته يصلح كأوعية. ومن هنا عرف الفخار وفي هذه المرحلة أخذ الناس يتباينون أقواما تبعا لموارد الأرض الطبيعية، كما شرعوا يدجنون الحيوان ويعرفون النبات في الدنيا القديمة: عرف الحيوان المستأنس والحبوب الزراعية حين كانت أمريكا لا تعرف غير حيوان اللاما والقمح.

وفي المرحلة الثانية، الوسطى: أخذ الشرق يدجن أنواع الحيوان، أما الغرب فقد أخذ يزرع الحبوب ويرويها، ويستعمل الحجارة والطوب المجفف في الشمس في البناء، بينما كان هنود شرقي المسيسيبي لا يزالون في مرحلة البربرية السفلى زارعين مساحات صغيرة من القمح والبطيخ ونبات الحدائق، مقيمين في دور خشبية وحقول مسورة، وكان سكان الشمال الغربي الأمريكي وعلى نهر كولومبيا خاصة في مرحلة الهمجية، وكان هنود البويبلو في المكسيك الجديدة والمكسيكيون وسكان أمريكا الوسطى والبيروفيون في مرحلة البربرية الوسطى، وكان عندهم من الحيوان الأليف اللاما والديك الرومي وبعض الطيور، وبعض المعادن عدا الحديد.

وقد اتسمت مرحلة البربرية الوسطى في الشرق بتدجين الحيوان اللبون ومكتنز اللحم، في حين أن زراعة النبات تأخرت طويلا، وأن استئناس أنواع الحيوان وتحسين نوعه واقتنائه قطعانا، هو - كما يبدو - الذي فصل الآريين والساميين عن الأقوام البربرية، وأن أسماء الحيوان مشتركة بين لغات الأوروبيين ولغات الآريين والساميين، في حين ليس ثمة اشتراك في أسماء صنوف النبات.

وقد أدى اقتناء القطعان إلى الحياة البدوية كما بدت عند الساميين في سهول الدجلة والفرات، وعند الآريين في سهول الهند والدون والدنيير، كما أن تدجين الحيوان بدأ عند ضفاف الأنهر القريبة من مراعي الماشية، والتغذية باللحم واللبن ساعدت الآريين والساميين على الارتقاء، يدل على هذا أن هنود البويبلو الذين سلف ذكرهم، كانوا يأكلون النبات، وكانت دماغهم أصغر من دماغ خلفائهم في المرحلة السفلى البربرية حين أكلوا لحم الحيوان والسمك.

وفي المرحلة العليا: بدأ صهر الحديد واخترعت حروف الكتابة، التي استخدمت في التدوين والرسائل كما حدث في عهد أبطال الإغريق والقبائل الإيطالية التي تقدمت تأسيس روما، كما عرف المحراث الحديدي، وكشفت الغابات واستصلحت للزراعة وللرعي في مساحات كبيرة، وابتدع الفأس والشفرة الحديديتان، فزاد عدد السكان.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٢٦