تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد زمن بين الثلاثين ألفا والخمسة والثلاثين ألف سنة؛ أي بعد أن زاد الطقس دفئا، ظهرت كائنات بشرية أذكى وأعرف بالحياة وأقدر على النطق والتفاهم والتعاون، زاحفة من الجنوب أو الشرق إلى دنيا النيانديرتاليين، طاردة إياهم من كهوفهم أو مبددة لهم، متغذية بالطعام الذي كانوا يتناولونه. ومن المرجح أن تكون هذه الكائنات من دمنا وقرابتنا؛ أي أصولا للإنسان الحقيقي، فإن وعاء مخ أفرادها وإبهامها وعنقها تماثل ما لدينا من ذلك المماثلة كلها، فقد وجدت جماجم في «كروماجنون» و«جريمالدي» تدل على هذا، ثم إن قطعانا من الجياد أخذت تظهر في المدرجات حالة محل أيل فرنسا وإسبانيا، وأصبح الماموث نادرا في جنوب أوروبا عديم الوجود شمالا.

على أنه قد وجدت في صيف 1921 جمجمة، وإلى جانبها أجزاء من جمجمة أخرى في «بروكين هيل» في جنوب أفريقيا. وجاء الفحص دالا على أنه كان هناك إنسان آخر وسط بين «النيانديرتالي» وبين الإنسان الحقيقي. أما وعاء مخ الإنسان الآخر، فيدل على أن مخه كان عند مقدم الرأس أكبر من النيانديرتالي وأصغر عند الخلف مما عنده، والجمجمة منتصبة على العمود الفقري كما في الإنسان التام، وإن كان يبدو أن الوجه كان مماثلا لوجه القرد وأن خطوط حاجب العين غزيرة. وهناك خط بارز في وسط الجمجمة. وهذا هو الإنسان الذي أطلق عليه اسم «إنسان روديسيا».

وقد عثر الدكتور دارت أستاذ التشريح في جامعة ويتواتر ستراند في جوهانسبرغ على أدوات من عصر الحجر في روديسيا. وهذه البقايا تدل على أن سكانها كانوا يجمعون المنجنيز تحت إشراف المصريين الذين يرسلونه إلى مصر، وتستعمله المصريات في الزينة وتزجيج الحواجب. (8) إنسان بيكين والترنسفال وبلتدون وكينيا وفلسطين

أبانت الأحافير عن بقايا عظام وهياكل في جهات مختلفة: فوجد من هذه البقايا في بيكين ما يدل على وجود إنسان قديم أسماه العلماء أخيرا «إنسان بيكين»، وقد كان يعيش في مرتفعات الصين في بداية عصر الجليد الأكبر؛ لأن المرتفعات كانت خالية من الجليد، وكان هناك جماعات بشرية منتشرة في آسيا ومتفاوتة التطور.

وعند الدكتور (فيدنريخ) الألماني أن إنسان بيكين من أكلة لحوم البشر؛ لأنه وجدت بقاياه في كهف صيني مع بقايا 24 من الصغار.

وفي الهند بقايا عظام من عصر البليوسين. ولكن ليس معروفا هل هي للحيوان أو للإنسان.

وفي جاوه آثار تشير إلى أن الإنسان كان حيا قبل عصر البليستوسين، وقد سمي «إنسان جاوة».

أما إنسان (الترنسفال)، وهو المسمى باسم موطنه، فقد وجد الدكتور بروم مدير متحف الترنسفال بقاياه مطمورة في إحدى مغارات بريتوريا، فإذا الزاوية الوجهية للحلقة وبقايا الأسنان أقرب إلى الإنسان منها إلى القرد، وهذا الإنسان الترنسفالي كان في عصر الحجر الأولي.

هذا وقد وجدت في كل من بلتدون وكينيا وفلسطين بقايا عظام وهياكل بشرية، فأسميت على التوالي باسم «إنسان بلتدون» و«إنسان كينيا» و«إنسان فلسطين».

ولما كان التنقيب عن بقايا الإنسان الناقص والإنسان التام القديم لا يزال جاريا، كان من غير البعيد أن نعثر على أنواع أخرى للسلالات البشرية.

الفصل السابع

| الإنسان الحقيقي الأول

وجدت الأمارات والآثار البعيدة عن الحياة البشرية التي تماثل حياتنا أو تتصل بها في أوروبا الغربية خاصة فرنسا وإسبانيا، من هذه الآثار عظام وأسلحة وخدوش على العظام والصخور وأجزاء عظامية منقورة ونقوش في الكهوف وعلى سطح الصخر منذ ثلاثين ألف سنة أو أكثر، وتعد إسبانيا أغنى البلاد مخلفات وبقايا بشرية.

غير أن التنقيب عن آثار الإنسان الحقيقي البدائي أو ما قد يسمى جدنا، لما يتم بعد، ولا تزال بعثات الجمعيات الأرضية - الچيولوچية - والجماعات الأثرية تعمل جاهدة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا، بل في كل مكان، للعثور على الحلقات القديمة المتعاقبة في الحياة البشرية. ويبدو أن مضيق بهرنج كان أرضا تصل بين الدنيا القديمة والجديدة، وأن أفرادا من البشر في نهاية عصر الحجر القديم قد اجتازوا هذه الأرض إلى الدنيا الجديدة - أمريكا، وأن الإنسان الأوروبي يرجع إلى أصلين، أو أكثر، أحدهما طويل القامة كبير المخ، فقد وجدت جمجمة نسوية أكبر من جمجمة رجل اليوم، كما كان طول الهيكل العظمي للرجل أكثر من ستة أقدام؛ أي مماثلا لهنود أمريكا الشمالية، وكان أفراده يسمون كروماجناريين؛ لأن أصولهم وجدت في كروماجنون وهم همجيون لونهم يضرب إلى السمرة جاءوا من الشمال أو الشرق. أما ثاني الأصلين فقد وجدت بقايا أفراده في كهف الجريمالدي، وكانوا أقرب إلى الزنوج كأفراد قبائل البوشمان والهوتنتوت في أفريقيا الجنوبية، ويرجع موطنهم إلى منطقة خط الاستواء، لونهم ضارب إلى السواد.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ١٩