وعلى ذلك يكون هذا القسم من الأقسام التي ورد ذكرها في التاريخ، وأن حفره أو تطهيره حدث مرتين اثنتين:
الأولى:
في عهد الحاكم بأمر الله، وذلك في سنة 404ه (1013م).
الثانية:
في عهد الظاهر بيبرس، وذلك في سنة 664ه (1265م).
رابعا:
المرحلة بين العطف وكفر الحمايدة:
قال المقريزي في خططه ج1 ص276 و277: ثم تعطل استمرار جريان الماء فيه (أي الخليج) بطول السنة، وصار يحفر سريعا بعد شهرين أو نحوهما من دخول الماء إليه، واحتاج أهل الإسكندرية في طول السنة إلى الشرب من الصهاريج التي يخزن فيها الماء إلى أن كانت سنة 710ه (1310م)، فقدم الأمير بدر الدين بكتوت الخزنداري المعروف بأمير شكار ومتولي الإسكندرية إلى قلعة الجبل، وحسن للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون حفره، وذكر له ما في ذلك من المنافع:
أولها:
حمل الغلال وأصناف المتجر إلى الإسكندرية في المراكب، وفي ذلك توفير للكلف وزيادة في مال الديوان.
وثانيها:
عمارة ما على حافتي الخليج من الأراضي بإنشاء الضياع والسواقي؛ فينمو الخراج بهذا نموا كثيرا.
وثالثها:
انتفاع الناس به في عمارة بساتينهم وشرب مائه دائما، فأعجب السلطان ذلك وندب الأمير بدر الدين محمد بن كندعدي ابن الوزيري مع بكتوت لعمله، وتقدم إلى جميع أمراء الدولة بإخراج مباشريهم لإحضار رجال النواحي الجارية في إقطاعاتهم للعمل للحفر، وكتب لولاة الأعمال بالوقوف في العمل فاجتمع من النواحي نحو الأربعين ألف رجل جمعت في نحو العشرين يوما ووقع العمل في شهر رجب من السنة المذكورة. أ.ه.
ولم يعين المقريزي المدة التي استغرقها هذا العمل إلا أنه قال:
وعظمت المشقة في حفر هذا الخليج، فإن الذي تجاوز البحر منه غلب عليه الماء، فصارت الرجال تغطس فيه وترفع الطين من أسلفه، ثم كثر الماء فركبت السواقي حتى نزحته إلا أن عظم النفع به سهل جميع ذلك، فإن السفن جرت فيه طول السنة، واستغنى أهل الإسكندرية عن شرب ماء الصهاريج، وبادر الناس للعمارة على جانبي الخليج، فلم يمض غير قليل حتى استجد عليه ما يزيد على 100000 فدان زرعت بعد ما كانت سباخا، وما ينيف على 600 ساقية، برسم القلقاس والنيلة والسمسم وفوق الأربعين ضيعة، وأزيد من ألف غيط بالإسكندرية، وعمرت منه عدة بلاد كثيرة، وتحول عالم عظيم إلى سكنى ما استجد عليه. أ.ه.
وبعد انتهاء الأعمال من هذا الخليج سمي الخليج الناصري نسبة إلى السلطان الناصر قلاوون الذي تم حفره في عهده.
هذا ومع أن المقريزي صرح في بيانه الآنف الذكر بأن جانبا من هذا الخليج أو الترعة أنشئ إنشاء، إلا أنه لم يدلنا على موضع ذلك الجانب الجديد الذي أنشئ، أما القلقشندي المعاصر لهذا السلطان فقد تلافى هذا النقص، إذ قال: إن مدخل الترعة في زمنه كان في العطف قبال فوة. وقال الجبرتي كذلك في تاريخه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»: إن والي مصر محمد علي أجرى حفر ترعة المحمودية في موضع ترعة الناصري القديمة ابتداء من العطف. مرجحا هذا الموضع على موضع الأشرفية الذي يبتدئ في الرحمانية لقصره.
ويلوح أن الأعمال التي باشرها هذا السلطان تعد أعظم أهمية من التي ذكرها مؤرخو العرب بصدد هذا الخليج.
خامسا:
المرحلة من الرحمانية إلى كفر الحمايدة:
لقد وصلنا الآن إلى آخر تغيير حدث في محل هذا القسم، وإلى المرة الوحيدة التي فيها تقهقرت نقطة تحويل النهر من الشمال إلى الجنوب، ومن هذه النقطة صارت تؤدى الأعمال لغاية الوقت الذي جدد فيه محمد علي جريان هذه الترعة وأرجعها إلى العطف مرة أخرى.
قال المقريزي في خططه ج1 ص278:
ولم يزل الخليج فيه الماء طول السنة إلى ما بعد سنة 770ه (1368م)، فانقطع الماء منه وصار الماء لا يدخل إليه إلا في أيام زيادة ماء النيل فقط، ثم يجف عند نقصه، فتلف من أجل هذا أكثر بساتين الإسكندرية وخربت، وتلاشى كثير من القرى التي كانت على هذا الخليج - إلى أن قال - وقصد من أدركناه من ملوك مصر حفر هذا الخليج غير مرة فلم يتهيأ له ذلك، إلى أن كانت سلطنة الملك الأشرف برسباي، فندب لحفره الأمير جرباش الكريمي المعروف بعاشق، فتوجه إليه وجمع له من قدر عليه من رجال النواحي، فبلغت عدتهم ثمانمائة وخمسة وسبعين (875) رجلا، ابتدءوا في حفره من 11 شعبان (20 يوليه) لتمام 90 يوما، فانتهى عملهم ومشى الماء في الخليج حتى انتهى إلى حده من مدينة الإسكندرية، وجرت فيه السفن فسر الناس به سرورا كبيرا، وجبى ما أنفق على العمال في الحفر من أرباب النواحي التي على الخليج ومن أرباب البساتين بالإسكندرية. أ.ه.