ومرفآ الإسكندرية هما الوحيدان اللذان على السواحل المصرية، وإذا كانت الأساطيل ضرورية لصيانة استقلال القطر المصري الذي لا تستطيع الدول الأوربية تهديده إلا من طريق البحر فالإسكندرية المرفأ الوحيد الذي تستطيع هذه الأساطيل اتخاذه مكمنا يتعذر الهجوم عليها فيه، فقد كان من الواجب اغتنام هذه المزية الطبيعية، وهو ما لم يغفل عنه محمد علي؛ لأنه جعل الإسكندرية ثغرا حربيا، وأنشأ بها دارا للصناعة (ترسانة) فارتفع لها شأن بين مرافئ البحر الأبيض المتوسط.
أما الأهمية التجارية لكل نقطة من نقط سواحل مصر على البحر الأبيض المتوسط فتابعة لسهولة المواصلات بينها وبين القاهرة التي هي المركز التجاري والصناعي والسياسي لذلك القطر، وكانت الإسكندرية قديما تتصل بالجهات الداخلية من القطر بفرع النيل الذي كان واصلا إليها، فلما انسدت هذه الترعة بانهيار الأتربة فيها كان أول ما عني الفاتحون العرب به إيصالهم إياها بالقاهرة بترعة أجاد المؤرخون الشرقيون وصفها، ولكن هذه الترعة لم تلبث في أيام أن اندثرت كسابقتها وأصبحت لا فرق بينها وبين الخندق البسيط يجف الماء منها أثناء الشطر الأكبر من السنة، فنشأ عن ذلك أن فقدت الإسكندرية مكانتها التجارية التي آلت من بعدها إلى ثغر رشيد.
غير أن محمدا عليا أبى أن يستمر هذا الغبن فأعاد إلى الإسكندرية أهميتها الأولى بإنشائه ترعة تسير فيها السفن أسماها بالمحمودية نسبة إلى السلطان محمود؛ إجلالا له وتخليدا لاسمه، ومنذ هذا الحين انحصرت دائرة التجارة في الإسكندرية وجعل ناظر التجارة المصرية مقره فيها لهذا السبب ولكي يباشر أيضا مبيع الحاصلات الخاصة بالتصدير إلى التجار الأوربيين. أ.ه.
وجاء عنها أيضا في هذا الكتاب ج2 من ص702 إلى ص703:
كانت أهمية المواصلات بين الإسكندرية والقاهرة وصعوبة الملاحة في فرعي النيل لصعوبة اجتياز بوغازيهما مما حمل محمدا عليا على حفر ترعة المحمودية.
وكان العرب قد فتحوا إثر فتحهم لمصر ترعة شبيهة بترعة المحمودية ولكنها كانت أقل أهمية منها فأهمل المماليك أمرها بسوء إدارتهم حتى طمستها الرمال والأتربة فأصبحت أثرا بعد عين.
وطول ترعة المحمودية خمسة وعشرون فرسخا (100 كيلومتر) ومأخذها من فرع رشيد على مسافة ربع فرسخ (1 كيلومتر) من فوة وهي صالحة للملاحة، وقد تم حفرها في عشرة أشهر وقام بالعمل فيها ثلاثمائة ألف وثلاثة عشر ألفا من العمال، وترعة المحمودية جديرة بأن تعد من الأعمال الخطيرة والآثار الجليلة التي كان قدماء المصريين يقومون بمثلها في غابر الأزمان. أ.ه.
وجاء في كتاب «نخبة الفكر في تدبير نيل مصر» لعلي باشا مبارك المتوفى سنة 1893م من ص84 إلى ص87 المطبوع سنة 1297ه (1880م) تحت عنوان «ترعة المحمودية» ما نصه:
هذه الترعة خارجة من النيل نفسه فمها في الشط الغربي قبلي ناحية العطف، وتصب في البحر الأبيض عند الإسكندرية، وطولها ثمانية وسبعون ألف متر، ومتوسط عرضها خمسة وعشرون مترا، وهي نيلية لا يدخلها الماء في أيام التحريق إلا بواسطة الوابورات، فتنقل إليها في اليوم والليلة ثمانمائة ألف متر مكعب، وبها ثلاث قناطر؛ قنطرة الفم بهويس، وقرب المالح قنطرتان بهويسين، وعليها ثمانية وعشرون وابورا في قوة خمسمائة وخمسة وأربعين حصانا، ويتفرع منها نحو اثنين وعشرين ترعة وهي:
ترعة العطف فمها بلصق مساكن المحمودية وتصب في بحيرة إدكو وطولها خمسة آلاف متر وعرضها متران.
وترعة منشأة أرمون فمها بجوار العزبة وتصب في بحيرة إدكو بعد مسافة أربعة آلاف متر في عرض متر ونصف.
وترعة قابيل فمها في مجرى مصب ترعة الخطاطبة وتصب في المحمودية قبلي عزبة عيد حبيب وطولها سبعة آلاف متر وعرضها متران وبها قنطرتان قنطرة الفم بعين وقنطرة قبلي منشأة دمسينة بعينين ويخرج منها فرع بسنته يصب في بحيرة إدكو.