تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابتدأت بإجراء عمليتين لتسوية مناسيب الأرض: إحداهما: من الإسكندرية لغاية العطف والنيل، والثانية: من النيل إلى الإسكندرية، فحصلت على فرق طفيف فأخذت المتوسط لتحديد عمق حوض الترعة وأجريت غرس أوتاد من الخشب يبعد الواحد عن الآخر 365 مترا على شواطئ الترعة، وبينت عليها العمق الذي يجب أن يصل إليه حوض الترعة، وبعد أن انتهت هذه الترتيبات قدم الفلاحون من مختلف المديريات بفئوسهم ومقاطفهم يقودهم عمال المديرين؛ ليعدلوا عمق الترعة وشواطئها بطول امتدادها، وكان تلاميذي مرصوصين بجانب الأوتاد المرقومة بأرقام تدل على عمق حوض الترعة.

وعدلت أيضا بعض المنحنيات غير المستوفاة الشروط، وكنت أراقب هذه الأعمال يوميا على متن جواد ذهابا وإيابا من الإسكندرية إلى العطف، وفي الوقت نفسه كنت أقوم بعملية الجسور لحصر الترعة في الممر الواقع بين بحيرتي أبي قير ومريوط على امتداد 2500 متر ببناء حيطان قوية وسنادات مبنية بالجير المائي قائمة على دعائم في الماء، وكل هذه الأشغال تمت في شهر ديسمبر سنة 1820م. واحتفل بفتح فوهتها لدخول مياه النيل للإسكندرية في شهر فبراير سنة 1821م، وارتاح محمد علي باشا من هذه الأعمال أشد الارتياح (وسميت المحمودية تيمنا باسم السلطان الجالس على عشر الخلافة في ذلك الوقت).

أما الأشغال الأخرى مثل الهويس الكبير القائم على رأس الترعة في العطف وقناطر الهويس التي عند مخرج المياه في الميناء القديمة والميناء الجديدة بالإسكندرية وقنطرة باب رشيد وغيرها فهذه بنيت في السنين التالية وفقا للرسوم التي خططتها وبينت مفصلات إنجازها.

أما الحي الذي كنت أقيم به في أثناء تأدية أشغال الترعة فكان في معسكر إسماعيل باشا (نجل محمد علي) قرب عمود السواري، وهو الذي كان متوليا منصب مدير العمل في هذه الترعة، وكان الطاعون في ذلك الحين منتشرا انتشارا شديدا ويفتك بخلائق عديدة، وأعرب إسماعيل باشا عن رغبته في وضع معسكره تحت الحجر وكلفني بالمراقبة فأجريت إحاطة المعسكر بحبال من الليف مربوطة بأوتاد متباعدة وأجريت أيضا نصب خيمة في الخارج للأشخاص الذين يقدمون من المدينة.

وكان مدير الجمارك عثمان أغا الذي كانت تربطني به رابطة صداقة يأتي يوميا ليزور الباشا، وذلك بدون أن يدخل في حظيرتنا، وفي يوم جاء الحاج عثمان وأخبرنا أن جميع حاشيته وعددها ثلاثون شخصا ماتوا بالطاعون، وأنه أتى إلينا طالبا ضيافته في معسكرنا فأجريت إقامته في الحجر خمسة أيام ثم أذن له بالدخول واستقبله إسماعيل باشا استقبالا حسنا.

ولم يصدني الطاعون عن الذهاب لتفقد أحوال أشغال الترعة حيث هذه الضربة لحسن الحظ كانت لا تفتك إلا بقليل من العمال الكثيري العدد.

وفي مدة إقامتي الطويلة في مصر كان يظهر الطاعون بشدة قليلة أو كثيرة كل سنة في شهر ديسمبر ويختفي في شهر مايو أو يونيه ثم ينتقل إلى القسطنطينية وكل بلاد الشرق، وأشغالي الكثيرة لم تكن لتترك وقتا للقلق وانشغال البال، وكنت فقط آخذ بعض الاحتياطات، وراح ضحية هذا المرض ترجماني وثلاثة خدم وشاب من الزنوج وبعض التلاميذ.

وفي غضون إقامتي في معسكر عمود السواري زارني فرنسي وهو مسيو سيف أحد ضباط السواري. وكان قد قدم حديثا للإسكندرية وأبدى رغبته في الالتحاق بخدمة محمد علي باشا فبادرت بتقديمه لسموه فقابله أحسن قبول، وعينه لإدارة ورش صناعة المدافع في ترسانة القاهرة.

وفي ديسمبر سنة 1821م قدم مسيو هيو

Huyot

المهندس المعماري إلى القاهرة، فرافقته إلى الإسكندرية ليبحر منها ويرجع إلى فرنسا، ولما علم محمد علي بوجود مسيو هيو بالإسكندرية بعث إليه بترجمانه بوغوص بك ليكلفه بأن يجول بترعة المحمودية وليحصل على رأيه عن الأعمال التي تمت وعن الأشغال التي يجب القيام بها ووجوب مرافقتي له في هذه السياحة.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحموديةص ١٨