وكان للنبات والشجر من عنايتهم منزلة الضرورة الماسة لما يحتاجونه منها لرعي ماشتيهم، يرتادونها في كل مكان، وينتجعونها حيث وجدت، ويرحلون إليها صيفا وشتاء.
وكانت هذه النباتات بأسمائها ومسمياتها تشغل حيزا كبيرا من لغتهم، واتصلت بهاته اللغة اتصالا وثيقا، فدونت مع اللغة، وحفظت في دواوينهم جزءا لا ينفصل عنها.
وكان السبب في تدوينها: أنه لما اتسعت للعرب الفتوحات واختلطوا بالأعاجم، ورأوا اختلاف الآراء، وانتشار المذاهب، وتطرق الفساد إلى اللغة، آل الأمر إلى التدوين والتحصين عملا بقول النبي
صلى الله عليه وسلم : «العلم صيد والكتابة قيد، قيدوا رحمكم الله علومكم بالكتابة».
وكان ابتداء العرب بالتصنيف والتدوين في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، فقيل: إن أول من صنف في الإسلام: الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة 155 للهجرة.
وقيل: أبو النصر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة 156ه (ذكرهما الخطيب البغدادي).
وقيل: ربيع بن صبيح المتوفى سنة 160ه.
ثم أخذ غيرهم في التصنيف في المدينة المنورة وفي اليمن وفي الكوفة والبصرة وفي مصر وخراسان؛ وكان مطمح نظرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما؛ ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما (كشف الظنون ج1 ص22) وأول الوسائل إلى فهم القرآن هو اللغة فأخذ العرب في جمع شتاتها ولم شعثها، وألفوا المصنفات المتعددة في جميع موادها، وكانوا مما عنوا به وجدوا في تدوينه الزرع، والنبات، والشجر، والكرم، والعنب، والبقل، والنخل، وغير ذلك مما سيأتي ذكره، شأنها كشأن باقي حروف اللغة سواء بسواء.
كيف دونت أسماء النبات والشجر؟
حينما ابتدأ العرب في تدوين اللغة، وتقييد شواردها، وضبط أوابدها، كانت لهم من الأمصار التي نشأ العلماء بها البصرة والكوفة والحيرة، ثم بعد ذلك بغداد، وغيرها من الأمصار، فكانت هذه الأمصار مقرا للعلماء الذين انشغلوا بالتقييد والتعليم، ومهبطا لفصحاء الأعراب الوافدين عليها من البادية، حاملين إلى سكان الأمصار صحيح اللغة وفصيحها الذي لم يتطرق إليه الفساد بالاختلاط بالأعاجم من الأمم الأخرى، فيلقون فيها الدروس لمن يستمع لهم، ويتنافس العلماء في الأخذ والرواية عنهم.
فهؤلاء الأعراب الذين وفدوا من صميم جزيرة العرب على الأمصار، هم الذين نقلوا فصيح اللغة، هم الذين عول العلماء في التدوين على آرائهم، وسنذكر بعضا منهم، والجهات التي نزلوا عليها. (1)
أبو مالك عمرو بن كركرة:
كان أعرابيا يعلم بالبادية، ويورق بالحضر؛ ويقال: إن أبا مالك كان يحفظ اللغة كلها. (2)
يونس بن حبيب:
كان من أصحاب عمرو بن العلاء، وكانت حلقته بالبصرة، وينتابها طلاب العلم، وأهل الأدب، وفصحاء الأعراب، ووفود البادية؛ قال بعضهم: إنه مولى لبنى الليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وقيل: إنه يكنى بأبى محمد مولى ضبة. توفي سنة 183ه في خلافة هارون الرشيد وقد جاوز المائة. (3)
أبو زياد الكلابي:
من بني عامر بن كلاب، وهو أعرابي بدوي، قدم بغداد أيام المهدي (158ه-169ه) وأقام بها أربعين سنة وبها مات. (4)
أبو سوار الغنوي:
وعنه أخذ أبو عبيدة ومن دونه. (5)
أبو السمح:
أعرابي بدوي نزل الحيرة. (6)
أبو مسحل:
أعرابي ويكنى بأبي محمد واسمه عبد الوهاب بن جريش؛ حضر بغداد وافدا على الحسن بن سهل، وله مع الأصمعي مناظرات. (7)
أبو ثروان العكلي:
من بني عكل، أعرابي فصيح، يعلم بالبادية؛ كذا ذكره يعقوب بن السكيت. (8)
ابن محلم الشيباني:
أعرابي أعلم الناس بالشعر واللغة، توفي سنة 248ه. (9)
أبو ضمضم الكلابي:
وهو أبو عثمان سعيد بن ضمضم، وفد على الحسن بن سهل. (10)
البهدلي:
واسمه عمر بن عامر ويكنى أبا الخطاب، أخذ عنه الأصمعي وجعله حجة. (11)
الحرماذي أبو علي الحسن بن علي: