لم يكن لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة حين بنائه منبر، على الرغم من اقامة صلاة الجمعة وخطبتها فيه، وعلى الرغم من وقوع خطب أخرى غير الجمعة فيه...…وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام يوم الجمعة خطيباً وقف مستنداً إلى جذع من جذوع النخل التي تحمل السقف، وهو مما يلي قبلة المسجد، ويتوجه بالكلام مقبلا على المصلين معتمداً على عصا يمسكها بيده.
واستمر إلى هكذا إلى السنة السابعة بعد الهجرة، عندما اقترح عليه بعض الصحابة الكرام أن يصنعوا له المنبر، ليقف عليه حين الخطبة، ويجلس فوقه مستريحاً بين الخطبتين، فذلك أبرز له للناس الذين كثروا، وأرفق به من حيث تقدمه عليه السلام في السن.
-2-
وقد اتفقت كلمة المؤرخين ورجال السيرة على أن المنبر الأول المصنوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان من خشب وأن ذلك الخشب قطع من الأثل من طرفاء الغابة في جانب من جوانب المدينة المنورة، وأنه كان مؤلفاً من درجتين فوقهما ثالثة للقعود، وأنه كان من صنعة غلام حبشي مولى لأحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
روى البخاري عن جابر بن عبدالله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً؟ قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له... قال ابن بشكوال: اسم هذا الغلام أمينا.
ولا تعارض بين هذا الحديث وأحاديث أخرى أشارت إلى آخرين عملوا المنبر، فلعل المنبر الأول لم يستقم طويلاً فقد أشير في بعض الروايات إلى أن المنبر صنع سنة ثمان للهجرة على يد غلام آخر، وباقتراح العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بإشارة تميم الداري بعد أن رأى منابر الكنائس في الشام.