
الرابع: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، وإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات وأثار ظهرت، فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف في ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، فليس عليه أن يكشف عن الباطن، سواء ستر بغرارة، أو خرج، أو ذيل، أو رداء(1) إلا أن يخبره عدلان بأن فيها خمرا فله تفتيشها لا بغير شهادتهما إلا أن تقوم القرائن كما مر.
الخامس: قال بعض الأئمة ينبغي للآمر والناهي أن يكون بصورة من يقبل منه ذلك، فلا ينبغي للعالم أن يأمر أو ينهى، وليس لابسا عمامته أو طيلسانه أو ثيابه التي تميزه ويعرف بها. قال النووي في «أذكاره»: ويجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وكل مؤدب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: ويلك، أو يا ضعيف الحال، أويا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالما لنفسه، وما أشبه ذلك بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظ قذف لا صريحا ولا كناية ولا تعريضا ولو كان صادقا في ذلك، وإنما يجوز ما قدمناه ويكون الغرض منه التأديب والزجر، ليكون الكلام أوقع في النفس. قلت: ووقع لابن عبد السلام المالكي أن بعض طلبته قال كلاما، فقال: لا يقول هذا إلا كافر، وكان بمحضر من أكابر فقهاء تونس وعلمائها فلم ينكره عليه أحد.