
وفيه نظر، فإن المعلوم لنا ثبوت مطلق التكفير لجنس المصيبة لا لخصوص هذه التي دعونا بجعلها من أفراد ذلك الجنس بحسب علمه تعالى، فإن قلت: فهل يرد ما قرره من الفرق بين الكفارات، وأسباب المثوبات قوله تعالى: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطقون موطيا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كنب لهمبه، عمل صدلح)[1200]. فإنه صريح في استيجاب الثواب على ما ليس مكسوبا لهم. قلت: لا؛ لأن هذه الأمور لما كانت ناشئة عن مكسوبهم الاختياري، وهو توجههم لقتال الأعداء والكفار، نزلت منزلة أفعال اختيارية مكسوبة لهم، نعم يرده الأحاديث الصحيحة ففي مسلم «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة»(1) وفي لفظ : «ما يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة»(2) وغيرها من الأحاديث الصريحة في رد دعواه، فقال النووي: في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة عن شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض، والأسقام، ومصائب الدنيا وهمومها وإن ثقلت عليه مشقتها، وفيها رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط، ولا ترفع درجة، ولا يكتب بها أجر ولا حسنة . قال: وروي نحوه عن ابن مسعود قال: الوجع لا يكتب به أجر، لكن تكفر به الخطايا، واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا فقط، ولم تبلغه هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات، وكتب الحسنات. انتهى.