والهدي معكوفا ، يقال ما عكفك عن كذا. ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس، وعكف على الشيء يعكف ويعكف عكوفا: أي أقبل عليه مواظبا. وأما السكون والتشديد فلا يقعان في أول الكلمة، فإذا عين موضعهما فالأمر ظاهر، وإن لم يعين فالغالب أن يكون موضعهما الحرف الثاني إلا أن تدل قرينة على غيره فيرجع إليها، مثال ذلك قول الجوهري: «زهرة الدنيا» بالتسكين غضارتها وحسنها، وزهرة النبات أيضا نوره، وكذلك الزهرة بالتحريك، وقوله: «عثر» مخففا بلد باليمن، وعثر بالتشديد: موضع، وقوله: «القمطر» و«القمطرة» ما يصان فيه الكتب، قال ابن السكيت: لا يقال بالتشديد وينشد:
ليس بعلم ما يعي القمطر
ما العلم إلا ما وعاه الصدر
وكثيرا ما يطلق التخفيف ويريد به التسكين، مثال ذلك قوله: «طرسوس» اسم بلد، ولا يخفف إلا في ضرورة الشعر؛ لأن فعلولا ليس من أبنيتهم، وقوله: «القربوس» للسرج، ولا يخفف إلا في الشعر مثل: «طرسوس»، وعبارة «القاموس» «قربوس» كحلزون، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر حنو السرج، وهما قربوسان.
مقدمة مختار الصحاح وهي مما يتعلق بذلك
وقد أورد صاحب «مختار الصحاح» في مقدمة كتابه المذكور فوائد تتعلق بما نحن في صدد بيانه، فأحببت إيرادها هنا؛ إتماما لهذا المبحث الذي لا ينبغي للمشتغل بعلم اللغة أن يغفل عنه، قال:
وكل ما أهمله الجوهري من أوزان مصادر الأفعال الثلاثية التي ذكر أفعالها، ومن أوزان الأفعال الثلاثية التي ذكر مصادرها؛ فإني ذكرته إما بالنص على حركاته أو برده إلى واحد من الموازين العشرين التي أذكرها الآن إن شاء الله تعالى، إلا ما لم أجده من هذين النوعين في أصول اللغة الموثوق بها والمعتمد عليها فإني قفوت أثره - رحمه الله تعالى - في ذكره مهملا، لئلا أكون زائدا على الأصل شيئا بطريق القياس، بل كل ما زدته فيه نقلته من أصول اللغة الموثوق بها، وأبواب الأفعال الثلاثية محصورة في ستة أنواع لا غير:
الباب الأول:
فعل يفعل بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع، والمذكور منه سبعة موازين: نصر ينصر نصرا، دخل يدخل دخولا، كتب يكتب كتابة، رد يرد ردا، قال يقول قولا، عدا يعدو عدوا، سما يسمو سموا.
الباب الثاني:
فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، والمذكور منه خمسة موازين: ضرب يضرب ضربا، جلس يجلس جلوسا، باع يبيع بيعا، وعد يعد وعدا، رمى يرمي رميا.
الباب الثالث:
فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمضارع، والمذكور منه ميزانان: قطع يقطع قطعا، خضع يخضع خضوعا.
الباب الرابع:
فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، والمذكور منه أربعة موازين: طرب يطرب طربا، فهم يفهم فهما، سلم يسلم سلامة، صدئ يصدأ صدأ.
الباب الخامس:
فعل يفعل بضم العين في الماضي والمضارع، والمذكور منه ميزانان: ظرف يظرف ظرافة، سهل يسهل سهولة.
الباب السادس:
فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمضارع، كوثق يثق وثوقا ونحوه وهو قليل؛ فلذلك لم نذكر منه ميزانا نرده إليه بل حيث جاء في الكتاب تنص على وزانه ووزان مصدره، وإنما خصصت هذه الموازين العشرين بالذكر دون غيرها؛ لأني عتبرتها فوجدتها أكثر الأوزان التي يشتمل عليها هذا المختصر .
قاعدة أولى
اعلم أن الأصل والقياس الغالب في أوزان مصادر الأفعال الثلاثية أن «فعل» متى كان مفتوح العين كان مصدره على وزن: «فعل» بسكون العين إن كان الفعل متعديا، وعلى وزن «فعول» إن كان الفعل لازما، مثاله من الباب الأول: نصر نصرا، قعد قعودا، ومن الباب الثاني: ضرب ضربا، جلس جلوسا، ومن الباب الثالث: قطع قطعا، خضع خضوعا، ومتى كان «فعل» مكسور العين و«يفعل» مفتوح العين كان مصدره على وزن فعل أيضا إن كان الفعل متعديا، وعلى وزن فعل بفتحتين إن كان لازما، مثاله: فهم فهما، طرب طربا، ومتى كان فعل مضموم العين كان مصدره على وزن فعالة بالفتح أو فعولة بالضم أو فعل بكسر الفاء وفتح العين وفعالة هي الأغلب، مثاله: ظرف ظرافة، سهل سهولة، عظم عظما، هذا هو القياس في الكل، وأما المصادر السماعية فلا طريق لضبطها إلا السماع والحفظ، والسماع مقدم على القياس فلا يصادر إلى القياس إلا عند عدم السماع.