تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولمكانة هذا الباب في علم العربية أفردوه بالتأليف وحاطوه بالعناية الواسعة، وممن ألف فيه الأصمعي، ومحمد بن المستنير المعروف بقطرب، وأبو الحسن الأخفش، وأبو نصر الباهلي، والمفضل بن سلمة، وابن دريد، والزجاج، وابن السراج، والرماني، وابن النحاس، وابن خالويه وغيرهم. هذا زيادة على ما جاء به الصرفيون في كتبهم من التحقيق والتمحيص، وأكبرهم عناية في ذلك إمام الصرفيين وسندهم أبو الفتح بن جني الموصلي، وقد ألف فيه بعض المعاصرين من علماء الشام كتابا نفيسا. والعصر الذي نحن فيه يتطلب من هذا الباب فضل توسع وبذل عناية؛ لأن المعاني الجديدة المتدفقة والمبدعات العصرية المتكاثرة تتطلب من الألفاظ ما تعيا به مفردات اللغة إذا لم تفزع إلى هذا الباب فتوسع منه ما ضيقه بعض المتشددين، ثم تستمد منه العون فتجد منه خير معين وأقوى نصير.

ثم إن هذا الباب أوسع من أن يحاط به في مثل هذه العجالة، ولكنا نظرنا إليه من بعض نواحيه التي تتعلق بموضوعنا وتركنا التفاصيل للكتب الموضوعة فيه. (4-2) النحت

قد يعمد العربي إلى كلمتين فأكثر فيقتطع منهما حرفا ويؤلف منها كلمة جديدة يدل بها على مجموع المركب الذي اقتطعت منه، أو على معنى آخر قريب من معنى ما اقتطعت منه، فيقول في النسبة إلى عبد شمس «عبشمي» مثلا، كما يقول «بسمل» فلان يريد أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ويسمون العجوز الصخابة الكثيرة الهذر «صهصلق» أخذا من «صهل» و«صلق» بمعنى صات صوتا شديدا.

وقد أطلق علماء العربية على هذا النوع من العمل اللغوي «النحت»؛ لأن العربي ينحت من الكلمتين فأكثر كلمة، وفي هذا العمل ما فيه من الفوائد مما يرمي إلى إمداد اللغة بالثراء، زيادة على ما فيه من الاختصار بكون الكلمة الجديدة تدل على جملة من القول؛ فقولنا «بسمل» مثلا أخصر من قولنا: قال بسم الله الرحمن الرحيم.

ولم يضع له الأوائل قواعد واضحة؛ ولذلك اعتبره بعض النحاة سماعيا، وقل الاعتماد عليه عند المتأخرين من العلماء على ما يظهر من كلام ابن مالك في تسهيله أنه يعتبر هذا الباب قياسيا في باب النسبة، ولكن أبا حيان أنكر عليه ذلك وقال إن هذا الحكم لا يطرد وإنما يقال منه ما قالته العرب فقط. والمحفوظ منه عند أبي حيان: عبشمي في النسبة إلى عبد شمس، وعبدري في عبد الدار، ومرقس في امرئ القيس، وعبقسي في عبد القيس، وتيملي في تيم اللات، هذا ما أورده أبو حيان من المسموع في باب النسبة من المنحوت. ومعلوم أن النحت في غير باب النسبة أكثر منه في بابها؛ فقد قالوا: هلل وأكثر من الهيللة إذا قال لا إله إلا الله. وحوقل وأكثر من الحوقلة، وحوقل بعضهم أن يقال حوقل، وعده من الغلط وليس بشيء؛ لأنه جرى على ألسنة كبار اللغويين، ومن حفظ حجة على من لا يحفظ. وأكثر من الحوقلة إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله. ومنه: حمدل حمدلة، وحسبل حسبلة قال: حسبي الله. وحيعل حيعلة قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وحيعل بمعنى قال حي على كذا.

قال الشاعر:

أقول لها ودمع العين جار

ألم يحزنك حيعلة المنادي؟

وجعفد جعفدة قال: جعلت فداك. ودمعز دمعزة قال: دام عزك. وطلبق طلبقة قال: أطال الله بقاك. ومشكن مشكنة قال: ما شاء الله كان. وسمعل سمعلة قال: سمع الله لمن حمده. وكبتع كبتعة قال: كبت الله عدوك. وسملع سملعة قال: السلام عليكم. وقالوا: حبرم القدر إذا وضع فيها حب الرمان، وأمثلة ذلك كثيرة حتى ذهب ابن فارس وجماعة من المحققين إلى أن الأسماء الزائدة على ثلاثة أحرف أكثرها منحوت مثل قول العرب: رجل ضبطر أي شديد أو ضخم مكتنز اللحم، منحوت من: ضبط وضبر بمعنى اشتد خلقه وتوثق، قال: ومنه أسد صلدم ورجل صلدم أي صلب منحوت من صلد وصدم، وبعثر منحوت من بعث وثبر، وبحثر من بحث وأثار.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٦