تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكروا له نوعين؛ الأول: الاشتقاق الأصغر، وهو المشهور بين علماء العربية، وإذا أطلق الاشتقاق ينصرف إليه. والثاني: الاشتقاق الأكبر، وأهم مميزاته عن سابقه أنه لا يشترط فيه الترتيب في الحروف بين المشتق والمشتق منه.

والمذهب المعول عليه بين علماء العربية أن الكلم بعضه مشتق وبعضه غير مشتق. وذهبت طائفة من المتأخرين إلى أن الكلم كله مشتق، وهذا مذهب غير مفهوم؛ لأنه لو كانت كل لفظة نوعا من غيرها للزم ألا يكون هناك أصل وهذا محال، اللهم إلا إذا قالوا: إن المراد بذلك أن الكلمة لا تخلو من أحد أمرين؛ إما أن تكون مشتقة أو مشتقا منها، فحينئذ يمكن أن يذكر قولهم هذا مع الأقوال، ويحتمل المناقشة والجدال. وتذهب طائفة ثالثة إلى أنه ليس هناك اشتقاق ما وأن الألفاظ كلها أصل، وهو قول بعيد عن التحقيق.

ثم إن التغييرات بين المشتق والمشتق منه في الاشتقاق الأصغر في وجوه:

الأول:

زيادة حركة في المشتق، مثل علم من العلم.

الثاني:

زيادة حرف فيه، مثل طالب من الطلب.

الثالث:

زيادة حرف وحركة معا، مثل ضارب من الضرب.

الرابع:

نقص حركة منه، كالفرس من الفرس.

الخامس:

نقص حرف منه، مثل ثبت من الثبات.

السادس:

نقص حرف وحركة معا، مثلا نزا من النزوان.

السابع:

نقص حركة وزيادة حرف، مثل غضبى من الغضب.

الثامن:

زيادة حركة ونقص حرف، مثل حرم من الحرمان.

التاسع:

زيادة حركة وحرف ونقصهما، مثل استنوق من الناقة.

العاشرة:

تغاير الحركتين، مثل بطر من البطر.

الحادي عشر:

نقص حركة وزيادة أخرى وحرف، مثل أضرب من الضرب.

الثاني عشر:

نقص حرف وزيادة آخر، مثل راضع من الرضاعة.

الثالث عشر:

نقص حرف وزيادة آخر وحركة، مثل خاف من الخوف.

الرابع عشر:

نقص حركة وحرف وزيادة حركة فقط، مثل عدة من الوعد، فإن فيه نقص الواو وحركتها وكسر العين بعد أن كانت ساكنة.

الخامس عشر:

نقص حركة وحرف وزيادة حرف، مثل فاخر من الفخار.

وإنما أشرنا إلى هذه التغيرات المتنوعة لندل على ما في هذا الباب من السعة، وأنه من أكبر الأبواب التي تنهض باللغة وتمدها بمعين لا ينضب.

أما الاشتقاق الأكبر فيشترط فيه حفظ أصل المادة دون تقلبات الهيئة، مثل تقليب مادة «ق و ل» على وجوهها الستة المختلفة: ولق، لقو ... إلخ، وهي في كل هذه التصاريف تدل على الخفة والسرعة. قال أبو حيان النحوي: وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح بن جني وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به في بعض المواضع.

والذي يتقرى كلم اللغة بإنعام نظر يجد أن لمعظم موادها أصلا ترجع إليه أكثر كلمات ذلك الأصل إن لم نقل كلها، خذ على ذلك مادة «ف ل» وما يثلثهما تجد الجميع تدور حول معنى الشق والفتح، مثل: فلح، فلج، فلع، فلق، فلذ، فلي. ومثل ذلك مادة «ق ط» وما يثلثهما، تقول: قط، قد، قطع، قطف، قطر، قطن ... إلخ، وكلها بمعنى الانفصال.

وأول من فتح باب هذا النوع من الاشتقاق أبو الفتح أيضا، وللعلامة الزمخشري ولوع فيه، تجد ذلك كثيرا في كشافه. ويذهب بعض اللغويين إلى أن هذا الأصل جار في كل تراكيب المواد اللغوية ولو بضرب من التأويل ولو قليلا، وهذا مذهب لا يخلو من المبالغة؛ إذ إن كثيرا من مفردات اللغة دخل عليها من لغات أخرى ثم صار مع الزمان كأنه منها في الصميم ولا يمكن في حال من الأحوال أن يرد إلى أصل من أصولها، وللغفلة عن هذه الناحية نجد الكثير من اللغويين يتمحلون لبعض الكلمات اشتقاقات أقل ما يقال فيها إنها من المضحكات: حكي عن بعضهم أنه سئل عن اشتقاق الجرجير - نوع من النبات - فقال: سمي بذلك لأن الريح تجرجره أي تجره، وسئل عن اشتقاق الجرة فقال: لأنها تجر على الأرض، ويقول: إنما سمي الثور ثورا لأنه يثير الأرض للحرث! إلى أمثال هذا الهذيان. والأعجب أن بعضهم يتكلف للأعلام العجيبة ضروبا من الاشتقاق تتقاطر السخافة من أطرافها، ولا تعدم في هذا العصر أناسا من هذا القبيل؛ فقد بلغنا أن بعضهم سئل عن البنجرة - وهي يستعملها الأتراك للنافذة - فقال إنها من بنجر الرجل إذا فتح عينيه، لأن النافذة تكون مفتوحة! فاقرأ واعجب.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٥