ونبغ أبو علي في علوم اللغة وذاعت شهرته، فاستدعاه عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس ووصل أبو علي إلى هناك فاستقبل استقبالا عظيما، وكان ولي العهد «الحكم» ووزراء الخليفة من المستقبلين، وأكرم الناصر وفادة أبي علي وخصه بتعليم ابنه «الحكم»، وسمع علماء الأندلس بسعة اطلاع أبي علي وطول باعه في اللغة وفنونها، فأقبلوا عليه يستفيدون من محاضراته في اللغة والأدب، وكان يمليها من حفظه في أيام الأخمسة بقرطبة وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة. ويقول ياقوت في معجمه: «وممن روى عن القالي أبو بكر محمد بن الحسين الزبيدي النحوي صاحب كتاب مختصر العين، وأخبار النحويين، وكان حينئذ إماما في الأدب ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه واختص به واستفاد منه وأقر له.»
ويقول الضبي في كتابه بغية الملتمس: «كان أحفظ أهل زمانه للغة، وأرواهم للشعر، وأعلمهم بعلل النحو على مذهب البصريين وأكثرهم تدقيقا في ذلك.»
وانقطع أبو علي بقية عمره بالأندلس، وأملاه كتبه التي منها: كتاب الأمالي، وكتاب الإبل، وكتاب حلي الإنسان، والخيل وشياتها، وكتاب مقاتل الفرسان، وكتاب تفسير السبع الطوال.
وتوفي أبو علي بقرطبة سنة 356ه، ويروي بعضهم أنه كان مكتوبا على قبة قبره:
صلوا لحد قبري بالطريق وودعوا
فليس لمن وارى التراب حبيب
ولا تدفنوني بالعراء فربما
بكى إن رأى قبر الغريب غريب (14) أبو القاسم «ابن القطاع»
هو أبو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المولد، المصري الدار والوفاة، كان أحد أئمة الأدب خصوصا اللغة وله تصانيف مفيدة، منها: كتاب الأفعال، وكتاب أبنية الأسماء وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله كتاب الدرة الخطيرة في المختار من شعر شعراء الجزيرة، وكتاب لمح الملح جمع فيه جماعة من شعراء الأندلس.
رحل من صقلية حين تملكها الإفرنج، ووصل إلى مصر فأكرمه أهلها، وله نظم لطيف منه:
فلا تنفدن العمر في طلب الصبا
ولا تشقين يوما بسعدى ولا نعم
ولا تندبن أطلال مية باللوى
ولا تسفحن ماء الشئون على رسم
فإن قصارى المرء إدراك حاجة
وتبقى مذمات الأحاديث والإثم
كانت ولادته سنة 433ه، وتوفي بمصر سنة 510ه. (15) أبو القاسم «الزمخشري»
هو أبو القاسم جار الله الزمخشري، كان إماما في التفسير والنحو واللغة والأدب، ولد بمدينة «زمخشر» قرية من قرى خوارزم عام 467ه، كان مقطوع الرجل، يعتمد على رجل من خشب، سألوه عن سبب هذا فقال: «رحلت إلى بخارى في طلب العلم، فسقطت عن الدابة في أثناء الطريق فانكسرت رجلي وأصابني من الألم ما أوجب قطعها»، ويروون أيضا أنه أصابه برد الثلج في بعض أسفاره فسقطت رجله. كان الزمخشري معتزلي المذهب مجاهرا باعتزاله، وقد فسر القرآن في تفسيره الكشاف تفسيرا بلاغيا، ظهرت فيه طبيعة المعتزلة الذين تقوم بحوثهم على الترتيب المنطقي والعناية بالجمال الفني. وللزمخشري شعر لا تظهر فيه الحلاوة التي نراها في شعر الشعراء المطبوعين ولكنه شعر العلماء، من هذا ما قاله في كشافه بمدحه:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد
وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته
فالجهل كالداء والكشاف كالشافي
وله نثر ينحو به نحو الصنعة والسجع، منه قوله في كتابه «الأطواق»: «استمسك بحبل مواخيك ما استمسك بأواخيك، واصحبه ما صحب الحق وأذعن، وحل مع أهله وظعن، فإن تنكرت أنحاؤه، ورشح بالباطل إناؤه، فتعوض عن صحبته وإن عوضت الشسع، وتصرف بحبله ولو أعطيت النسع.»
توفي الزمخشري بقصبة خوارزم ليلة 583ه، وله مؤلفات كثيرة منها: تفسير الكشاف، والفائق في غريب الحديث، وشرح كتاب سيبويه، وكتاب الجبال والأمكنة، وأساس البلاغة، وكتاب النموذج في النحو، والمفصل في النحو، وله «أعجب العجب في شرح لامية العرب»، وله ديوان شعر، وله غير هذا كثير، وذكر ياقوت طائفة من كتبه في معجمه، انظر 20-134 من معجم ياقوت. (16) أبو منصور الثعالبي