تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الخليل آية من الآيات في الذكاء، ودقة التصور، وتوقد الفطنة، وصدق الحدس، وسعة الحافظة، وقوة الذاكرة، ورجاحة العقل، حتى كانوا يقولون: «لا يجوز على الصراط أحد بعد الأنبياء أدق ذهنا من الخليل»، ولا حاجة بنا إلى برهان أنصع من هذه المبتكرات التي أخرجها للناس كما سيمر بك بعد. وقد نقل أهل العلم عنه حكايات في هذا الشأن تتجاوز حد التصديق لولا ثقة رواتها وتكاثر نقلتها، من ذلك أنه جاءته رسالة عربية مكتوبة بالحرف السرياني فقرأها وهو لا يعرف شيئا عن الحرف السرياني، ولكنه استعان بما عرف أنها تصدر عادة بالبسملة والحمدلة ونحوهما.

قال الرواة: اجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلا علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلا عقله أكثر من علمه. وقال حمزة بن حسن الأصفهاني:

إن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض، لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه. فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام. (1-4) مبتكراته

لقد أبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، واخترع علوما أعجزت المتقدمين كما بهرت المتأخرين، فلا عجب إذا سميناه «شيخ المبتكرين من العرب».

علم العروض:

لو لم يكن للخليل من المبدعات إلا هذا العلم لكفاه منقبة، فإنه لعمري أبدع في تنسيق قواعده وضبط أبوابه، كما بهر الألباب باختراعه، فقد حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا على كيفية أدهشت الفطن وحيرت الأفئدة. ونحن نعلم أن كل مبتكر يعتريه في بادئ الأمر الاضطراب ويحف بالنواقص، فلا تستقيم قناته ويلبس الحلة التي تليق به إلا بعد أن تختلف العقول على صقله وتثقيف أوده حينا من الدهر سنة الله في خلقه، ولكنا رأينا علم الخليل بلغ الرشد يوم ولادته، فلم يستدرك عليه من جاء بعده بابا أهمله، أو قاعدة أخل بها، أو فصلا ذهل عنه، أو اصطلاحا غيره خير منه، إلا ما كان من أمر البحر الذي زاده تلميذه الأخفش وسماه «الخبب»، ولا يعسر رد هذا البحر إلى واحد من بحور الخليل.

الشكل:

كان الخط في صدر الإسلام خلوا من الشكل والإعجام، فوضع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69ه علامات للحركات الثلاث، فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة تحته، والضمة بين يديه، وجعل التنوين نقطتين، كل ذلك بمداد يخالف مداد الحرف. فلما وضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر من الحجاج نقط الإعجام اضطرب الأمر واشتبه الإعجام بالشكل، فتصدى الخليل لإزالة هذا اللبس فوضع الشكل على الطريقة المعروفة اليوم، وبنى ذلك على مقاييس مضبوطة وعلل دقيقة، بأن جعل للفتحة ألفا صغيرة مضطجعة فوق الحرف، وللكسرة رأس ياء صغيرة تحته، وللضمة واوا صغيرة فوقه، فإذا كان الحرف المحرك منونا كرر الحرف الصغير فكتب مرتين فوق الحرف أو تحته، ذلك لأن الفتحة جزء من الألف، والكسرة جزء من الياء، والضمة جزء من الواو. ووضع للتشديد رأس شين بغير نقط « »، ووضع للسكون دائرة صغيرة وهي الصفر من الأرقام العربية القديمة وذلك لأن الحرف الساكن خلو من الحركة. ووضع للهمزة رأس عين «ء» لقرب الهمزة من العين في المخرج هكذا قالوا، والذي أراه أن هذه الشكلة إنما هي الميم المتوسطة في لفظ «همزة»، لأنك إذا كتبت هذا اللفظ وحذفت الهاء من أوله والزاي والتاء من آخره ظهرت هذه الشكلة واضحة. ووضع لألف الوصل رأس صاد هكذا «ص»، توضع فوق ألف الوصل مهما كانت الحركة فيها، وللمد الواجب ميما صغيرة مع جزء من الدال هكذا « ». فكان مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات: الفتحة، والكسرة، والضمة، والسكون، والشدة، والهمزة، والصلة، والمدة، كلها حروف صغيرة أو أبعاض حروف بينها وبين ما دلت عليه أجلى مناسبة وأوضح صلة، بخلاف علامات أبي الأسود وأتباعه فإنها مجرد اصطلاح لم يبن على مناسبة بين الدال والمدلول. وألف الخليل في هذا الموضوع كتابا نفيسا، فلم يزد أحد على طريقته هذه شيئا ولا أصلح منها رأيا، فكأنه ابتدأها وبه ختمت.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٥٢