ولم تزل التآليف في هذا الباب آخذة في الاتساع من حيث الكمية والإجادة من حيث الكيفية، إلى أن جاء أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة 401ه وصنف كتابا كبيرا جمع فيه بين غريب القرآن والحديث ورتبه على حروف المعجم، فاستخرج الكلمات اللغوية التي تحتاج إلى تفسير وتوضيح وأثبتها في حروفها وذكر معانيها فإذا أراد الإنسان كلمة وجدها في حرفها من غير تعب، فجمع كتابه هذا بين دقة التحقيق وجودة الترتيب والتبويب، ولذلك اعتمد عليه الناس من بعده وأكثروا عليه من الاستدراكات والتعليقات والإضافات. إلى أن جاء الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المدني الأصفهاني، فصنف كتابا جمع فيه ما فات الهروي من الغريب وسلك في وضعه مسالك الهروي فجاء مماثلا له حجما وفائدة. وغبر الناس يعتمدون على هذين الكتابين الجليلين وما سبقهما من الكتب المهمة، إلى أن جاء أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل المعروف بالراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502ه، فألف كتابه «مفردات ألفاظ القرآن» مرتبا على حروف الهجاء مقدما ما أول أصوله الهمزة ثم الباء إلى آخر حروف المعجم، مشيرا إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارة والمشتقة، فجاء كتابه هذا من أحسن ما ألف في بابه من حيث: غزارة المادة، وكثرة التحقيق، وحسن الاختيار، وبعد النظر. فهو في نظرنا أفيد معجم يرجع إليه الطالب في تحقيق معاني الألفاظ القرآنية، وعليه اعتمد البيضاوي في تحرير تفسيره من ناحية معاني الألفاظ وأصول اشتقاقها، ولم نعرف من بعده كتابا يفضله في موضوعه. هذا، ومن الواضح أن المؤلفين في هذا الفرع يستقون حاجتهم من المعين الذي تستقي منه اللغة العربية على العموم، زيادة على استعانتهم بالأحاديث النبوية وآثار الصحابة كالمنقول عن ابن عباس وأصحابه والآخذين عنه، فإنه ورد عنهم في هذا الباب الشيء الكثير الجدير بالاعتماد تجد ذلك منثورا في كتب التفسير ودواوين اللغة، وقد أحصى منها جلال الدين السيوطي في كتاب «الإتقان» ما يقرب من ثمانمائة كلمة مع تفسيرها على طريق الإيجاز. (13) غريب الحديث
لا تعرف العربية بعد القرآن الكريم كلاما يسامي الكلام النبوي أو يدانيه فصاحة ومبنى وبلاغة وجمال أسلوب وجلال قدر وبراعة تركيب وروعة تأثير، وإنه لكما يقول شيخ الكتاب أبو عثمان الجاحظ: «لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه
صلى الله عليه وسلم ، ورب قائل يقول: إذا كان الأمر على ما وصفت فمن أين تسللت الغرابة إلى بعض ألفاظه، وتطرق التعقيد إلى بعض معانيه، والغرابة لا تساكن الفصاحة والتعقيد لا يجاور البلاغة؟! فنحن نقول: إن الكلام النبوي منزه عن التعقيد والغرابة بالمعنى الذي يريده المتأخرون من علماء البيان لأنهم لا يريدون بذلك إلا الخروج عن جادة المألوف من الألفاظ بالنسبة إلى المتكلم والمخاطب، فإذا كان اللفظ من مألوف المخاطبين فليس لأحد أن يسمه بسمة الإغراب أو يصمه بوصمة الإبهام وإن كان غير مألوف عند غير المخاطبين به من الناس، إذ الاعتبار في هذا الباب مقصور على من يتوجه إليه الخطاب دون غيره، ولو ذهبنا في تفسير الإغراب والتعقيد عند البيانيين غير هذا المذهب وقلنا من شرط الفصاحة في الكلام أن يكون عاريا من كل لفظ غير مألوف للناس أجمعين في كل زمان ومكان؛ لما وجدنا كلاما للمتكلم من عرب الجاهلية وصدر الإسلام يستحق أن نخلع عليه حلة الفصاحة ضافية أو غير ضافية، لأنا لا نعرف لهم كلاما منثورا أو منظوما يخلو من ألفاظ غير مألوفة بالنسبة للأجيال المتأخرة، تدفع السامع أو القارئ منهم إلى استنطاق دواوين الأدب ومعاجم اللغة والاستنجاد بالشروح والتعاليق.