تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

كتاب بهر بالإعجاز ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذي على مثال ولا أشبه غريب الأمثال ... وأن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون فتكون كالشهاب المتلألئ في جنح غسق والزهرة البادية في جدوب ذات نسق.»

ولا مرية في أن القرآن كان يخاطب العرب على وفق مناهجهم في مخاطباتهم وخطاباتهم وتفاهمهم في أفرادهم وجماعاتهم، وكان الصحابة يعرفون أكثر ما يرمي إليه من المعاني ويومي إليه من المغازي، وإذا غم عليهم شيء من ذلك فزعوا إلى الرسول الكريم فينير إليهم السبيل، وأكثر ما يكون تساؤلهم عن الكلمات التي تصرف القرآن في أوضاعها وحولها عن مجاريها الاعتيادية إلى معان جديدة لم تكن من مألوف القوم قبلا مثل: القرآن والإيمان والكفر والصلاة والزكاة بمعانيها الشرعية، وقد غبر الناس على هذا حياته ثم مدة حياة أصحابه من بعده، إلى أن فتح على العرب ممالك العجم واختلطوا بحمرائها وصفرائها وبيضائها وسودائها، ومن ذلك أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجا من بين فارسي ورومي ونبطي وحبشي وغيرهم من مختلف الألوان التي دانت لسلطان الفاتحين، فاختلط القوم بالقوم بالمساكنة والمجاورة والمخاتنة والمصاهرة والمصاحبة والمتاجرة، وبذلك تداخلت اللغات ونشأت ناشئة من صميم العرب في أحضان هذا التبلبل فجاءت مختلفة السلائق مضطربة الألسنة، كما نبتت نابتة من أبناء الأعاجم لقنت من العربية ما يسد حاجتها في المخاطبات والمحاورات، ومن هنا ذر قرن لغة أمشاج لا هي بالعربية الصافية ولا العجمية الصرفة، ولم تفتأ هذه اللغة أن ملكت الهجين من ألسنة الدهماء واحتلت مكانة ضيقت فيها على المعربة أنفاسها، وما كاد ينطوي بساط المائة الأولى للهجرة حتى بدت وجوه الاختلال سافرة وظهر الاضطراب في عمود اللغة كل الظهور.

ومن هنا شعرت جمهرة القوم بمسيس الحاجة إلى الاستفسار عن كثير من ألفاظ القرآن الكريم واستجلاء معانيها التي كان أسلافهم يدركون مراميها بحكم سلائقهم، لأنها من نوع ما كانوا به يتفاهمون وعلى نمط ما به ينثرون وينظمون. ولما رأى عقلاء الأمة وأهل العلم استرسال أمر الاختلال وتفاقم الاضطراب والاختبال، استفزتهم الحمية وأهابت بهم الغيرة فانصرف فريق منهم لرأب الصدع وسد الثغر. وأول من بلغنا أنه جمع شيئا في تفسير بعض مفردات القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 209ه، فقد ذكروا أنه ألف في هذا كتابا أسماه «المجاز في غريب القرآن» وآخر أسماه «معاني القرآن»، والمراد بمعاني القرآن تفسير مفرداته وهو اصطلاح معروف عند المتقدمين، وحيث رأيت في كتاب علوم القرآن «قال أهل المعاني» فالمراد بهم مصنفو الكتب في مفردات القرآن، ونجد في فهرس كتب الأصمعي كتابا اسمه «غريب القرآن» والأصمعي من معاصري أبي عبيدة وتأخر عنه قليلا.

ثم أقبل أهل العلم على التأليف في هذا الموضوع حتى لا يكاد يقع نظرك على فهرس من فهارس أئمة اللغة إلا وتجد صدره متحليا باسم كتاب في هذا المعنى، منهم: الزجاج، والفراء، ومحمد بن القاسم الأنباري، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد وغيرهم خلق كثير، وكان من أجمعها كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 223ه. وكانت الكتب المصنفة في هذا الفرع عارية من الترتيب غفلا من التبويب، وكانت بالمعاجم اللغوية أشبه منها بالكتب ذات الفصول والأبواب. واستمر الأمر على ذلك إلى أن جاء أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني المتوفى سنة 330ه، فألف كتابه المشهور «نزهة القلوب» ورتبه على حروف المعجم ترتيبا لم يسبق إليه، فبدأ بالهمزة المفتوحة وثنى بالمضمومة وثلث بالمكسورة، وهكذا فعل بسائر حروف المعجم على الترتيب المشهور، وهذا الكتاب على صغر حجمه من أتقن ما ألف من نوعه، وقد قيل إنه أقام في تأليفه خمس عشرة عاما يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري، وكان يتعهده بالتصحيح والتجويد بين حين وآخر.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٣١