تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحدثنا عبيد ما لقينا

فبسك يا عبيد من الكلام

وأنت ترى أن البس بمعنى القطع ثلاثي ولفظ بس المستعمل بمعنى حسب ثنائي وشتان بينهما، نعم لو قال قائل لآخر بسا أي بس كلامك بسا بمعنى اقطعه قطعا لكان صوابا. ومنه التخمين وهو القول بالحدس، ومنه الفشار للهذيان والإقذاع في القول. (5-3) تنبيه

يعد من المولد كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة تغييرا ما، بأن كان ساكنا فحركته أو متحركا فسكنته أو مهموزا فتركت همزه أو بالعكس أو قدمت بعض حروفه على بعض أو حذفت ... وما إلى ذلك، مثال ذلك أن العرب تقول في رجل: سمح، وفي أسنانه حفر، وفي بطنه مغس أو مغص ، وحدث في الناس شغب، وجبل وعر، وبلد وحش، وحلبس في حلقة القوم، كل ذلك بسكون العين والعامة تحركها.

وتقول العرب: أصيب فلان بالتخمة وهو من التخمة أي الخيار، وهذه لقطة وهي تحفة، وتناول الصبر للدواء المر المعروف، وطلعت الزهرة للنجم المعروف، وسعف النخل، والسحنة للهيئة، كل ذلك بالتحريك والعامة تسكنه. والعرب تقول: هنأني الطعام ومرأني، وطرأت على القوم، وترأست عليهم، كل ذلك بالهمز والعامة تتركه.

والعرب تقول: رجل عزب، وهذه كرة، وتعسه الله، وكبه لوجهه، والعامة تزيد فيه الهمزة فتقول: رجل أعزب، وهذه أكرة، وأتعسه الله، وأكبه لوجهه. وأمثلة ذلك كثيرة تجدها مبثوثة في ثنايا معاجم اللغة ودواوين الأدب، وقد أفرده بالتأليف جماعة منهم: الموفق البغدادي في ذيل الفصيح، والحريري في درة الغواص في أوهام الخواص، وقد عقد له ابن قتيبة في أدب الكاتب أكثر من باب، وعقد له الجلال السيوطي بابا خاصا في الجزء الأول من كتابه المزهر في علوم اللغة وأنواعها. (6) المعرب والتعريب

المعرب ما استعملته العرب في كلامها من الألفاظ لمعان في غير لغتها، وقد اشترط بعضهم أن يكون اللفظ الذي تتلقاه العرب من العجم نكرة مثل إبريم وجوقه وسرداب، فإذا كان علما مثل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق فلا يسمى معربا وإنما يسمى أعجميا.

ومن هذا تعلم أن التعريب هو نقل الكلمة من لغة أجنبية إلى اللغة العربية بتغيير أو بدونه ويسمى الإعراب أيضا؛ مثال ما تغير عند التعريب: «سكر» فإنه معرب «شكر»، وإقليد وهو المفتاح فإنه معرب «كليد»، وبنفسج فإنه معرب «بنفشه»، وهنزمن فإنه معرب «انجمن» لمجمع الناس. ومثال ما عرب من غير تغيير: النوروز والكاغد والبخت بمعنى الحظ. هذا ولا جرم أن استمداد لغة من أخرى يعد من أساليب نمائها، فالتعريب بالنسبة للغة العربية أحد عوامل توسعها، فقد تناولت هذه اللغة طائفة من الكلم حتى أصبحت من لحمها ودمها وما من ذلك عليها من عاب، لأن اللغة الحية تشبه المخلوقات تفتقر في بقائها ونمائها إلى مختلف الأغذية وفي عداد هذه الأغذية ما تنتزعه لغة من أخرى من مختلف الكلم، هذا إذا كانت اللغة قوية البنية وإلا فقد تكون بعض اللغات مرعى خصيبا لبعض آخر تأكل ما تشاء وتذر ما تشاء، كما وقع في اللغة التركية فإنها عاثت بجارتيها العربية والفارسية وأكلت منهما أكل النهم الشره ولكنها بشمت وعسر عليها هضم ما ازدردته فحارت في أمرها ولم تزل حائرة ...

وأما لغتنا العزيزة فهي - ولله الحمد - من أقوى اللغات على الهضم والتمثيل تنتزع اللفظة من أية لغة شاءت ثم تزدردها فلا تبرح أن تهضمها وتمثلها أيما تمثيل وتجري عليها تصاريفها وتصبح كأنها في الصميم منها، حتى إن علماء اللغة وأئمتها ليحارون في هذا الباب كل الحيرة ويتعسر بل يتعذر عليهم في كثير من الأحيان تمييز الأصيل من الدخيل حتى أدى الأمر ببعضهم إلى إنكار أن يكون فيها شيء من غيرها البتة، وانقلب الأمر على آخرين فأخذوا يفككون عراها وينكثونها نكثا ويخرجون ما هو منها في الذؤابة فينسبونه إلى غير أصله ويردونه إلى غير أهله، وما ظنك بقوم بلغ بهم الهوس في هذه الناحية حتى أخرجوا لفظ «الأدب» من صميم لغة العرب؟! وهذا لعمرك شذوذ في الشذوذ وتطرف في التطرف. ولسنا في مقام المناقشة لهؤلاء الناس في هذا الشأن لأن لنا معهم مقالا في غير هذا المقام، ولكنا نريد أن نقول إن أهم ما يجتنيه الباحث من الثمر في باب التعريف هو الإلمام بطرقه التي سار عليها أسلافنا، لأن معرفة تلك الطرق وسير منعرجاتها من أهم ما نستعين به في تذليل ما نحن بسبيله من العقبات في وضع المصطلحات العلمية التي فاض فيضها وتدفقت أنهارها.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ١٣