تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستعمال الألفاظ الشرعية بمعانيها الشرعية من قبيل الحقائق عند أهل الشرع واستعمالها بمعانيها اللغوية من قبيل المجازات عندهم، والأمر عند اللغويين بالعكس، فالصلاة بمعناها الشرعي حقيقة عند الشرعيين مجاز عند اللغويين، وهي بمعناها اللغوي مجاز عند الشرعيين حقيقة عند اللغويين، ولهذا يقول علماء البلاغة: إن الحقيقة أقسام، منها اللغوية ومنها الشرعية، وكذلك المجاز منه الشرعي ومنه اللغوي. (5-1) الاصطلاح

قلنا إن الألفاظ الشرعية لا تخرج عن كونها مصطلحات، ولكنها أوسع شمولا من مصطلحات سائر العلوم لأن أتباع الشرع أكثر عديدا من أتباع كل علم من العلوم الأخرى على حدته. ولما اتسع نطاق المعارف وبسقت دوحتها وتبارت العقول في خدمتها وتنميتها، وانماز كل علم منها بمسائله وقواعده من علوم شرعية إلى لسانية إلى كونية وتكاثفت أغصانها وفروعها؛ احتاجوا في كل فرع منها إلى وضع مصطلحات كثيرة للمعاني الكثيرة التي زخرت بها تلك العلوم، فمصطلحات العلوم اللسانية تختلف عن مصطلحات العلوم الشرعية، وهذه تختلف عن مصطلحات علوم الفلسفة مثلا، فالعامل عند النحوي مثلا غيره عند الفقيه والفيلسوف، وكذلك الكلام والتمييز والحال والإعراب والبناء إلى غير ذلك من الكلم التي اصطلح عليها أهل كل علم في علمهم. وكان أرباب العلوم إذا جد لهم معنى وضعوا له لفظا يناسبه، فإن أعوزهم فزعوا إلى الاشتقاق أو النحت أو غيرهما، وقد يتصرفون في اللغة تصرفا يغضب اللغويين أو المصرفين ولكنهم لا يبالون بذلك إذا أرضوا المعنى الذي يريدونه، فقالوا: اللاأدرية أو العندية والمتى والأين ... إلخ، وإذا ضنت عليهم العربية أو بالأصح لم يتوفقوا للوصول إلى بغيتهم منها فزعوا إلى التعريب فقالوا: سفسطائية وأسطقس وإيساغوجي وأقرباذين ... إلخ.

وقد تمايزت مصطلحات كل علم عن غيرها، وإذا ضممت مصطلحات العلوم المختلفة إلى بعضها يتوفر لديك معجم ضخم له شأنه، وقد فعل ذلك بعض المتأخرين فتم لديهم الشيء الكثير، ومجموع ذلك يؤلف لغة قائمة بنفسها هي لغة العلم وعليها المعول في كل لسان.

وأنا أرى أن معجم المصطلحات يجب أن يسبق المعجم اللغوي؛ لأنه ألزم والانتفاع به أكثر. (5-2) الألفاظ المولدة

قلنا إن المنابع الكبرى التي استقيت منها اللغة العربية إنما هي القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب الموثوق بعربيتهم، ومن المعلوم أن القرآن تم قبل انتقال الرسول إلى الملأ الأعلى بزمن يسير وأن الحديث النبوي ختم بانتقاله، فبقي كلام العرب الموثوق بعربيتهم واستمرت الثقة به إلى أن اختلت سلائق القوم واضطربت ألسنتهم على أثر اختلاطهم بحمراء الأمم وصفرائها، فما كاد ينطوي بساط القرن الأول الهجري حتى انقضى عمر الاعتماد على كلام المتحضرة من العرب، أما العرب فامتد أجل الثقة بكلامهم إلى ما بعد القرن الأول ولكنه لم يطل إلى ما بعد القرن الثالث، إلا في قبائل قليلة كانت معتصمة في شعاف بعض الجبال المنقطعة عن العمران، أو الضاربة في بعض البوادي النائية التي لا تتصل بالحضر إلا في القليل وهم شراذم لا يعتد بهم، فالأخذ عن حاضرة العرب ومن يتصل بها أو يكثر الترداد إليها من أهل البادية ينتهي بجرير والفرزدق ومن في طبقتهما، ومن هناك تبدأ طبقة المولدين من مخضرمي الدولتين وعلى رأسها: بشار وحماد عجرد ووالبة بن الحباب ومن في طبقتهم، فما حدث في عهد هذه الطبقة وما بعدها من الألفاظ يسمى مولدا، وبعبارة أخرى ما أحدثه المولدون من الألفاظ يسمى المولد ويقابله العربي فيقال هذه لفظة مولدة وهذه عربية، كما يقابل المعرب والدخيل بالعربي الصميم فيقال هذا لفظ معرب وهذا من الصميم.

وأمثلة الألفاظ المولدة كثيرة تكاد تفوت الحصر، من ذلك النحرير كان الأصمعي يقول إنه ليس من كلام العرب وإنما هو مولد، وأخ كلمة تقال عند التألم والتأوه والعربي أح بالحاء المهملة، ومن المولد الكابوس وهو ما يشعر به النائم من الثقل، ومنه الفطرة والعربي صدقة الفطر أو زكاة الفطر وهي من الألفاظ الإسلامية، ومنه التفرج قال النووي: ولعله مأخوذ من انفراج الغم، ومنه الجبرية والقدرية من مذاهب المتكلمين، الأول يطلق على من يقول الإنسان مضطر في أفعاله غير مختار والثاني يطلق على من يقول بأن الإنسان فاعل باختياره وخالق لأفعاله، ويقال للأولين أهل الجبر وللآخرين أهل القدر. ومنه الطفيلي وهو من يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها، وطفيل رجل كوفي كان يغشى الولائم من غير دعوة ويبالغ في ذلك فنسب إليه كل من يفعل مثل فعله، وعربيه الضيفن لمن يجيء مع الضيف من غير دعوة، والوارش لمن يدخل على القوم في طعامهم فيأكل من غير دعوة، والواغل لمن يدخل على القوم في شرابهم فيشرب معهم من غير أن يدعى إلى الشرب. ومن المولد المخرقة وهي الافتعال والاحتيال، ومنه البحران وهو أعلى ما يصل إليه المرضى من الشدة وليس بعده إلا الموت أو البدء بكسر سورة المرض شيئا فشيئا وهي اصطلاح طبي، ومنه تبغدد إذا تشبه بالبغداديين وليس منهم، ومنه بس بمعنى حسب وقيل هو عربي مأخوذ من البس وهو القطع وأنشدوا:

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ١٢