ولما زار ابن جبير بغداد بهره فقهاؤها، فأعجب بكثرتهم وسعة معارفهم، وفي بغداد أزهر الفقه الجعفري الذي يرجع بأصوله إلى الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله عنه.
وبالجملة، فإن للفقه في بغداد المقام الأول من بين سائر العلوم، ولم يزل هذا السر إلى عهدنا هذا؛ فإن أول مدرسة عالية أنشئت في بغداد على النمط الحديث مدرسة الحقوق، التي تعتمد في معظم مادتها على الفقه الإسلامي. وقد أسمى فيلسوف المعرة محلة الكرخ أو بغداد «محلة الفقهاء»:
بمحلة الفقهاء لا يعشو الفتى
ناري ولا تنضي المطي عزائمي
علم الكلام:
ويسمى علم العقائد، وعلم أصول الدين أيضا. كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة، وإذا تعذر عليهم فهم المتشابهة منهما آمنوا بظاهره، ووكلوا أمر الباطن إلى الله تعالى مع التنزيه الأكمل للذات الإلهية عن كل ما يشم منه رائحة النقص أو التشبيه أو التجسيم، غير أن هذه الطريقة في فهم العقائد لم تقنع الجماعات التي دخلت في الإسلام من أهل الأديان الأخرى التي كانت تعج بالشبه والخلافات، فركنوا في تقرير العقائد ورد الشبه إلى الأقيسة العقلية والأشكال المنطقية.
ولما مصرت بغداد كان المسلمون ينقسمون في تقرير أصول عقائدهم إلى فريقين: فريق يعتمد على المنقول من الكتاب والسنة، ويقال لهم الجماعة وأهل الحديث، وفريق يعتمد في تقرير عقائده على المعقول، وإذا تعارض المعقول والمنقول عمد إلى تأويل المنقول، وهؤلاء هم المعتزلة. وكان الصدر الأول من خلفاء بني العباس يؤيدون أهل هذا المذهب، وينصرونهم على أتباع المذهب الأول، وجرت في بغداد خطوب بين الفريقين ذهب ضحيتها بعض رجال الحديث، ولا سيما على عهد المأمون الذي حاول أن يشغل الناس بالمنازعات الدينية عن المنازعات السياسية، فكان له ما أراد، وكان على رأس المعتزلة في عهده القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي، وعلى رأس الجماعة الإمام أحمد بن حنبل، فكانت بين الفريقين مناظرات، وكانت منازعات أدت إلى اضطهادات مشينة لا عهد للمسلمين بها من قبل. وكان في مقدمة المسائل التي دار الخلاف حولها مسألة خلق القرآن، فكان المعتزلة يقولون بخلقه تفاديا من تعدد القدماء، وكان الجماعة وأهل الحديث يقولون بقدمه؛ لأنه كلام الله، والكلام قديم بقدم المتكلم.
ولم ينته الجدال حول هذه المسألة إلا في عهد الواثق، عندما أحضر بعض أشياخ الشام للمناظرة، فقال ما معناه: لو كانت هذه المسألة من صميم الدين لأخبرنا بها سيد المرسلين، وحيث إنه لم يثبت عنه شيء في هذا الباب، فلا معنى لجعلها موضوع خلاف وجدال. وظهر في المعتزلة رجال أولو لسن أيدوا مذهبهم بأقلام سيالة وألسنة قوالة؛ مثل عمرو بن بحر الجاحظ وأبي علي الجبائي، وغيرهما من أئمة المتكلمين البصريين الذين لم تسلم بغداد من رشاش مباحثاتهم، حتى ظهر بينهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى في العقد الثالث من القرن الرابع، وكان في أول أمره معتزليا، ثم سلك طريقا وسطا بين المعتزلة ورجال الحديث، وكان إلى رجال الحديث أميل، وألف في تأييد مذهبه كتبا جمة، بسط فيها الكلام بسطا، سهل فهمه على الناس، فكثر أتباعه، وانضوى أكثر المتكلمين من البغداديين إلى لوائه. ومع ذلك فإن بعضهم لم يزل على مذهب المحدثين، وأكثرية هؤلاء من الحنابلة، وبعضهم أصر على الاعتزال، فكان في بغداد في أواخر العهد العباسي مذاهب كلامية كثيرة مرجعها إلى ثلاثة: الأشاعرة وهم الأكثرية، والمحدثون أو السلفيون، والمعتزلة. وهناك جماعة من الإمامية الاثنى عشرية، وآخرون من الزيدية، وقليل من الإسماعيلية. وانشق من الأشاعرة فريق يقال لهم الماتريدية؛ نسبة إلى أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي المتوفى سنة 333، أحد تلامذة أبي الحسن الأشعري، وقد خالفه في بضع عشرة مسألة، وكثير من الأحناف في بغداد وغيرها يدينون بهذا المذهب.