تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التفسير:

لم يدون هذا العلم في كتب جامعة تضم جميع سور القرآن إلا في عصر الدولة العباسية، وأول تفسير عظيم صحيح وضع في هذا الباب هو تفسير

1

أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310، كتب هذا التفسير على ضفاف وادي السلام، وهو من أعظم التفاسير قدرا وأسماها مكانة، حتى قال الإمام أبو حامد الإسفرايني، عظيم فقهاء الشافعية ببغداد: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا.» وقال أبو زكريا النووي، كبير فقهاء الشام: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري.»

ويمكن أن يقال إجمالا: إن كل من كتب في التفسير من طريق الرواية بعد ابن جرير هو عيال عليه، وقد كتب البغداديون تفاسير كثيرة تفوت العد، ليس هذا موضع إحصائها واستقصائها، من أتقنها تفسير للشريف الرضي، طبع بعض أجزائه حديثا في النجف الأشرف. وأعظم تفسير كتب في بغداد في أواسط القرن الثالث عشر هو «روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني» لأبي الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي - عليه الرحمة - المتوفى سنة 1270ه. وتفسيره هذا من أجمع التفاسير وأوسعها وأسماها وأسناها، جامع بين فصاحة التعبير وبراعة التصوير، يستغني به المحقق عن الكثير من كتب التفسير.

فالقارئ يرى أن هذا العلم أورق وأزهر في مدينة السلام وأثمر وأينع فيها.

الحديث:

قل أن ظهر محدث نابه في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها إلا وقد جعل بغداد موضع زيارته أو دار إقامته. فمن أعلام المحدثين الذين زاروا بغداد وأخذ عنهم البغداديون:

محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256، صاحب الصحيح الشهير، حكوا أنه زار بغداد، فاجتمع عليه أصحاب الحديث من أهلها، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ... ثم كلما عرض عليه واحد منها، قال: لا أعرفه، فلما كملت المائة اندفع يعيد كل حديث إلى سنده، وكل سند إلى متنه، فأقر له البغداديون بالحفظ. وكان من عادة البغداديين التلطف باختبار الطارئين عليهم من العلماء، وممن تردد إلى بغداد من كبار المحدثين مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261، ومحمد بن يزيد بن ماجه المتوفى سنة 213، وأبو داود سليمان بن الأشعث المتوفى سنة 275، وأنجبت بغداد من عظماء المحدثين وقدمائهم: الإمام أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وأبا الحسن علي بن عمر الدارقطني صاحب كتاب السنن المتوفى سنة 385، والخطيب البغدادي. ومن تصفح تاريخه وقف على المئات من أئمة هذا الشأن الذين أنبتتهم بغداد، أو هاجروا إليها وجعلوها دار إقامتهم أو موضع زيارتهم.

ومن الواضح أن رجال الحديث بعد أئمة الحفاظ الأولين قد وجهوا جل عنايتهم إلى كتابة المصنفات الجامعة والمختصرة متوخين حسن التبويب وجمال التفصيل والترتيب، مع التمييز بين صحيح الآثار وسقيمها؛ ولذلك لم يكن المتأخرون في هذا الباب إلا عيالا على المتقدمين.

الفقه:

أنشئت بغداد، وفقهاء الإسلام فريقان: فريق جعل جل اعتماده في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية على الكتاب والسنة النبوية والآثار المروية عن الصحابة، وفريق آخر حكم - مع ذلك - الرأي والقياس. وجل فقهاء الحجاز من الفريق الأول، وإمامهم في ذلك مالك بن أنس، وجل فقهاء العراق من الفريق الثاني، وإمامهم في ذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهو وإن كان كوفي المنبت، فإنه اتخذ بغداد دار إقامته الآخرة، فكان عنوان مفاخرها وغرة مآثرها، وكان في جملة حسناته تلميذاه العظيمان قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة 182 صاحب كتاب «الخراج»، ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189، وإليهما يرجع الفضل الأول في تدوين الفقه الحنفي وترصين قواعده. وزار الإمام محمد بن إدريس الشافعي بغداد مرتين إحداهما سنة 195 والثانية سنة 198، واجتمع بعظماء فقهائها، وفيها أملى مذهبه القديم، ولما فارقها تطور مذهبه بعض الشيء بسبب ما اطلع عليه في بغداد من الآراء، ويقال لمذهبه بعد رجوعه من بغداد: «الجديد». وممن لقي الشافعي في بغداد من عظماء الفقهاء الإمام أحمد بن حنبل، وقد تلقحت آراؤه بآرائه، فتطور مذهب ابن حنبل بعض التطور، وكان معظم البغداديين على مذهبه، ثم كثر بينهم الشافعية والحنفية. ومن مشاهير فقهاء الشافعية فيها أبو حامد الإسفرايني المتوفى سنة 406، كانت حلقته في الكرخ تضم زهاء 700 متفقه، وأقضى القضاة علي بن محمد الماوردي المتوفى سنة 450، صاحب الأحكام السلطانية والحاوي، في بضعة عشر مجلدا، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة 476، وكانت إليه رياسة المدرسة النظامية، وكتبه في المذهب أشهر من أن تذكر. ومن أكابر فقهاء الحنفية البغداديين: أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري المتوفى سنة 428، ومن كتبه التجريد، ويشتمل على الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وهو بديع في بابه.

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٣١