تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبنى المنصور قصره المعروف بقصر الذهب في وسطها، وأقام في صدر القصر إيوانا شامخا وفوقه إيوانا مثله، وفوقه القبة الشهيرة المعروفة بالقبة الخضراء، وكان ما بين الأرض وأعلى القبة 80 ذراعا. وفي أعلى القبة فارس بيده رمح يتجه إلى حيث تأتي الريح، وهو شبيه بما يسميه المعاصرون «ديك الريح». قالوا: كانت هذه القبة تاج بغداد، وعلم البلد، ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم وبقيت إلى آخر أمر الواثق، فكان ما بين بنائها وسقوطها مائة وثمانون سنة ونيف، وكان سقوطها سنة 329 في ليلة كثر مطرها واشتد برقها ورعدها.

ثم إن المنصور أقام حول مركز المدينة سورا داخليا ثالثا، فيتألف من مجموع الأسوار الثلاثة دوائر ذات مركز واحد وهو قصر الذهب. وكان العمل في بناء بغداد قد توقف قليلا في بادئ الأمر عندما ظهرت ثورة العلويين في مكة ثم في البصرة، فاضطر المنصور إلى توقيف العمل ريثما تمكن من التغلب على الثورتين، ثم استأنف البناء. وفي سنة 146 نزلها مع جنده، ونقل إليها الخزائن وبيوت الأموال والدواوين، ثم استمر العمل في البناء من غير عائق، حتى تجاوز عدد العمال المشتغلين فيها مائة ألف عامل. وفي سنة 149 تم بناؤها وجميع مرافقها، وكان في جملة من يشرف على العمل الإمام أبو حنيفة، فقد كان ينظر في أمر تسلم الآجر. قالوا: وكان يعد اللبن بالذرع بعد أن يأمر برصفه رصفا معينا. قيل: وهو أول من فعل ذلك واستفاده الناس منه.

ثم أمر المنصور بإجراء الماء إليها من قناتين؛ إحداهما: من نهر دجيل الآخذ من دجلة، والثانية: من نهر كرخايا الآخذ من نهر عيسى الآخذ من الفرات. وكانت تلك المياه تجري في مجار من خشب الساج. فعل كل ذلك؛ لئلا تدخل دواب السقائين المدينة فتلوثها.

شذرات من سجايا البغداديين وشمائلهم

امتاز البغداديون بخلال كريمة وسجايا فاضلة، يأتي في الطليعة منها: (1)

الظرف:

كان البغداديون مضرب المثل بالظرف، فكان الناس يقولون: ظرف بغدادي، ولو حاول الكاتب أن يستقصي الظرفاء والظريفات من البغداديين والبغداديات لاجتمع لديه كتاب يعد من الطرافة بمكان، ويكون للحسن بن هانئ المكان الأول في ذلك الكتاب. (2)

الميل للطرب:

عرف البغداديون بهذه الخصلة، وكان الأكابر منهم يأخذون أنفسهم بضروب من اللهو البريء - كما يقول المعاصرون - وقد رويت روايات وبسطت حكايات فيما كان يتعاطاه الناس في بغداد من ضروب المطربات وصنوف الملهيات مما تكون الإفاضة فيه من قبيل وصف النهار بالبياض. وما عليك إلا أن ترجع إلى كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، والليلة الثامنة والعشرين من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان؛ فإنك تجد فيها ما يبهرك.

اقرأ ما قاله أبو حيان في عرض الليلة التي أشرنا إليها:

عهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة «أحصينا - ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه؛ لعزته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط في وقت ...»

وهذا الرقم من المطربات والمطربين أوضح دليل على انصباب الناس في عاصمة العباسيين على السماع. والكلام الذي أورده أبو حيان في هذا الباب يشبه أن يكون منقولا بالنص عن حكاية أبي القاسم البغدادي لأبي المطهر محمد بن أحمد الأزدي،

1

أو هي منقولة عنه والرجلان متعاصران، وليس هذا موضع الفصل في أيهما السابق وأيهما السارق. ومن الطبيعي أن تكثر في بغداد وسائل الطرب وبيوت الملاهي؛ لأن هذه من مستلزمات الترف والبذخ اللذين أخذت بغداد منهما أوفر نصيب، والحضارة إذا استبحرت وتحكم سلطانها ظهر معها كل مستلزماتها - حسنة كانت أم سيئة، رفيعة كانت أم وضيعة - وعلى كثرة ما توفر في مدينة السلام من عوامل الترف ومتع الطرب، فإن ذلك لم يكن يحول بين الناس وبين التحلي بأسمى الفضائل وأسنى الشمائل. (3)

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٣