وقد صرف العرب كلمة بغداد، فقالوا: تبغدد الرجل إذا انتسب إليها، أو تشبه بأهلها على قياس تمعدد وتعرب إذا تشبه بمعد والعرب أو انتسب إليهما.
وقال المولدون: تبغدد الرجل علينا إذا تكبر وتعاظم، وفيه إشارة إلى ارتفاع مكانة بغداد والبغداديين في تلك العصور. وبغداد في جميع لغاتها هذه تذكر وتؤنث، فيقال هذه بغداد، وهذا بغداد. وقد أخبرني المحقق الفاضل أبو الحسنات - المدرس في جامعة فؤاد الأول - أن في الهند إمارة تحكمها أسرة ترجع بنسبها إلى بني العباس ولا تزال تحافظ على تقاليدهم وعاداتهم، واسم عاصمتهم «بغداد».
خبر بنائها
اتخذ العباسيون الكوفة أول عاصمة لهم، ثم بنوا مدينة على مقربة من الكوفة أسموها الهاشمية، ثم أخذ المنصور يفكر في نقل عاصمته إلى موطن يأمن فيه الفتن ويعصمه من عاديات الزمن، فبعث الرواد أولا، ثم أخذ هو نفسه يرتاد موضعا يقيم فيه مدينته المطلوبة، فوقع اختياره على البقعة الواقعة بين دجلة شرقا ودجيل شمالا، وقطربل غربا والصراة جنوبا، فأقام فيها أياما ليختبر بنفسه حالة جوها وتربتها وما يتصل بذلك من العوارض؛ فأسفر الاختبار عن نتائج حسنة. وكان يقوم على الموضع عدة ضياع، منها ضيعة أو سوق يقال لها بغداد، كان يجتمع فيها رأس كل شهر التجار، وتقوم بها للفرس قبل الإسلام سوق عظيمة، وقد جاء ذكرها في تاريخ الفتوح الإسلامية سنة 13ه، فقد ذكروا أن المثنى بن حارثة أغار على هذه السوق في جمع من أصحابه، فغنموا ما بأيدي أهلها من ذهب وفضة ثم رجعوا إلى الحيرة، ولم يجر لها ذكر في تأريخ الفتوح بعد هذه الحادثة إلى أن بنى المنصور مدينته عندها.
سبب الاختيار
ذكر المؤرخون أسبابا كثيرة لترجيح المنصور هذه البقعة على غيرها، منها اقتصادية، ومنها عسكرية، ومنها صحية؛ فقالوا: «إن المادة تأتيها من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار، وتحمل إليها طرائف الهند والسند والصين والبصرة والأهواز وواسط في دجلة، وتجيئها ميرة الموصل وديار بكر وربيعة في دجلة أيضا. وهي بين أنهار لا يصل إليها العدو إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسور ونسفت القناطر لم يصل إليها العدو، فهي قريبة من البر والبحر والجبل.» ثم هي في أقرب نقطة بين دجلة والفرات، ووسط بين بلاد العرب والعجم، ثم إن العباسيين الذين قامت دولتهم على سيوف الفرس يحلو لهم أن يجعلوا عاصمتهم على مقربة من المدائن عاصمة العجم القديمة.
البدء بالبناء
قال الشيخ أبو بكر الخطيب: «وبلغني أن المنصور لما عزم على بنائها أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين، فمثل لهم صفتها التي في نفسه، ثم أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم، فأجرى عليهم الأرزاق، وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من أمر البناء، ولم يبتدئ في البناء حتى تكامل بحضرته من أهل المهن والصناعات ألوف كثيرة، ثم اختطها وجعلها مدورة ...»
قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه:
ذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحب أن ينظر إليها عيانا، فأمر أن تخط بالرماد، ثم أقبل يدخل من كل باب في فصلانها وطاقاتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد ... ثم أمر أن يجعل على تلك الخطوط حب القطن ويصب عليه النفط، فنظر إليها والنار تشتعل ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم.
وعند ذاك ابتدئ بحفر الأساس، وكان ذلك سنة 145ه، فوضع بيده أول آجرة في بنائها، وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.» ثم قال: «ابنوا على بركة الله.»
وأقيم لها في أول الأمر سوران، قطر دائرة السور الداخلي 1200 ذراع، وارتفاعه 35 ذراعا، وعرضه من أسفله 20 ذراعا، أما السور الخارجي فعرضه من أسفله خمسون ذراعا، ومن أعلاه عشرون، وعرض ما بين السورين مائة وستون ذراعا، وفي كل سور أربعة أبواب، بين كل باب وآخر ميل، وعلى كل باب قبة ذاهبة في السماء سمكها خمسون ذراعا، وعلى رأس كل قبة منها تمثال يتجه إلى حيث تأتي الريح، وبين كل قبتين 28 برجا.